مقال عبدالله كمال المنشور فى افتتاحيه مجله روزاليوسف
بتاريخ 10 اكتوبر 2009
في يوم ٤ أكتوبر الجاري أصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل السعودية المرسوم الملكي التالي: نحن عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود.. ملك المملكة العربية السعودية.. أمرنا بأن يعفي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري عضو هيئة كبار العلماء والعضو المتفرغ في اللجنة الدائمة للبحوث والفتوي المتفرعة من عمله.. ويبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.
هذا القرار المفاجئ وغير المتوقع من الملك كان هو رد الفعل الأهم والأسرع من أعلي مستوي في السعودية علي التعليق أو الفتوي التي أدلي بها الشيخ سعد الشثري في قناة المجد.. محذرا من الاختلاط في جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم التقنية التي افتتحتها السعودية في إطار تحول مهم بدوره قبل أن يدلي الشيخ بما قال بنحو يومين.القرار الأول جاء لحماية الخطوة غير المسبوقة التي أسست لوجود التعليم الجامعي المختلط في السعودية لأول مرة.. ويمكن القول أن قرار الملك قد ألجم إلي حد بعيد أصواتا كثيفة كانت تستعد للانطلاق في اتجاه انتقاد الجامعة غير المألوفة في السعودية.. وتحريمها والتحذير من الاختلاط فيها.. مما قد يؤدي إلي تفريغ تلك الخطوة التي تمثل نقلة حضارية كبري في المملكة من محتواها.
إن فهم حجم وأبعاد دور هيئة كبار العلماء في السعودية ومدي انتشار تأثيرها وتغلغلها في عقلية المجتمع السعودي وارتباطها بشرعية الحكم السعودي، يمكن أن يحدد لنا ماهية القرار الذي أصدره الملك والرسالة الناتجة عنه.مفارقات ٩٠٠٢وفي المقابل فإن مصر ليس فيها إلا جامعات مختلطة.. وهي، تاريخيا، فضت القيود عن المرأة قبل ما يزيد عن مائة عام حين رفع قاسم أمين شعاره العظيم: تحرير المرأة.. غير أنه في العام الذي نالت فيه المرأة المصرية واحدا من أهم إنجازاتها الحضارية والسياسية.. في ٩٠٠٢. أي الحصول علي نسبة مقررة بحكم القانون والدستور من مقاعد مجلس الشعب للنساء.. كان هذا المجتمع مضطرا لأن يخوض جدلا كبيرا ضد انتشار النقاب بين بنات أجياله الجديدة.
مفارقات متنوعة جدا ومؤسفة للغاية تقرأها في المشهد المصري، بخلاف هذا التناقض الزمني بين ١١ عقدا منذ عصر قاسم أمين إلي الآن.. مجتمع يرتضي الاختلاط.. لكن بناته يعلن الإصرار علي الانعزال خلف الأستار السوداء.. كل منهن تعيش في خيمتها الخاصة.. خلف حجب آتية من (تورا- بورا) ولايمكن أن تكون متناسقة مع العمر الحضاري للقاهرة.
جيل يفترض أنه يخوض غمار شبابه.. لكنه يذهب بعيدا منجرا وراء كهولة الاختفاء.. دافنا أحلامه.. ومحاصرا لانطلاقه.. وقاتلا لحيويته.. ورافضا للعصر.. كما لو أنه يعيش هجرته الخاصة مذكرا إيانا بسنوات شكري مصطفي الذي أقنع في تنظيم (التكفير والهجرة) قدرا لا بأس به من الجامعيات بأن يهبن أنفسهن لمجتمع جاهل جهول بناه هو في مخيلة ذاته وبعيدا في مكان قصي من المجتمع.جامعيات.. يفترض فيهن أن يسعين وراء العلم.. فأمسكن بتلابيب الأزمنة الغابرة قبل الأديان.. والانطباع المتوقع منهن هو أن يكن مناديات بحقوق النساء والمساواة.. فإذا بكل منهن تتحول إلي حبيسة في زنزانة اختيارية متنقلة.. ترفض أبسط دلائل الحضارة.. التواصل من خلال وجه معلن.. لكي يبين الرجل من المرأة.. والحق من الباطل.. ويا لها من عقول تريد أن تقود المجتمع في الزمن القادم.إن علينا أن نحترس لأن العجلة ترجع إلي الخلف.
ومن المثير للدهشة أن القناة التي تسببت في عزل الشيخ السعودي سعد الشثري من هيئة كبار العلماء بأمر ملكي.. أي قناة المجد.. هي نفسها أحد مقومات منظومة فضائية راسخة وواسعة الانتشار.. تروج في مصر وغيرها لفقه النقاب والانعزال ومحاربة التواصل.. والدعوة إلي المجتمعات المنشطرة.. ضد الفطرة.. منظومة تبيع فكرا يعود إلي عصور سحيقة رغم أنها تعتلي قنوات بث فضائي في أحدث منتجات العلم.. الأقمار الصناعية التي من المؤكد أن من بين صناعها عشرات من النساء الغربيات اللواتي شاركن الرجال في عمل بهذه الضخامة.. لكي نأتي نحن بمنتهي التخلف ونحول هذه الآلات إلي وسيلة لركوب ماكينة الزمن ونضبطها علي مؤشر يرجع بنا إلي ما قبل الإنسانية.
العادة والعبادة
ما هذا القرف.. أعلينا في عام ٩٠٠٢ - بينما الإسرائيلية (عداة يونات) تحصل علي نوبل في الكيمياء.. والألمانية هيرتا موللر تنال نوبل في الآداب.. وبينما العالم يفض أسرار تركيبة جينات الإنسان.. ويجهز رحلة إلي المريخ غير مكتفٍ بالقمر - أن نتكلم فيما إذا كان النقاب عادة أم عبادة؟.. وهل علي السلطة في البلد أن تتخذ إجراءات لمنع تسكين المنقبات في المدن الجامعية للطالبات؟.. هل بعد هذا قرف؟!مال بناتنا؟.. كيف بفريق منهن يخترن العزلة.. ويتظاهرن من أجل أحد أشهر مظاهر التخلف.. ويناضلن من أجل الاعتراض علي الإمام الأكبر لأنه قال لطالبة في مثل عمر حفيداته: أن اخلعي النقاب.. إنه عادة لاعبادة.. فتثور عليه الدنيا.. ويصبح هدفا لهجوم جحافل التطرف.. وبراكين التهييج.. تريد أن تشوه صورته.. وأن تهز مصداقيته.. وأن تستفز كبرياءه.. وأن تشكك في علمه.. فيما لم يكن بين ناقديه من حصل نصف علمه.. وحصد ربع خبرته.. أو اعتلي المنابر بقدر ما اعتلي وخطب ووعظ الناس إلي دين الله.
الهجوم علي صاحب الفضيلة أصبح وسيلة لإلهاب المشاعر.. وارتكاب كبائر في حق علماء الدين.. الناصحين.. الذين كان أمامهم من الجراءة والثقة في العلم بحيث إنه أعلن قولة الحق.. وواجه التطرف بصوت الحكم السليم.. ورفض أن يتراجع.. في حين تلاحقه كاميرات التخلف واستديوهات اللغو الليلي وجرائد لا شاغل لها سوي أن ترتكب أي حماقة بغض النظر عن تأثير ذلك علي شخصية المجتمع.. وتلك نقطة تدعونا مجددا لكي نتساءل: هل رجال الأعمال الذين ينفقون علي تلك الوسائل الإعلامية الخاصة يقبلون منها رسالتها تلك.. هل يريدون مجتمعا منقبا؟
منارات الظلام!
كانت صحف مصر من قبل أهم أدوات تنويرها.. وكان من الشاذ أن تكون أي صحيفة مؤيدة للتطرف.. الآن أصبحت الصحف آليات ترويج وتحريض وإظلام.. وتعج بما يقود المجتمع إلي مزيد من التطرف.. إما بتأييد وتسويق جماعات التخلف.. أو بالمزايدة علي أصوات العودة إلي الماضي.. أو بالاختلاق والتلفيق كما حدث في الواقعة الأخيرة التي تخص شيخ الأزهر.. فناقل روايتها لم يكن موجودا رغم أنه أكد حضوره المشهد في بعض برامج التليفزيون.. ويا لها من مهمة مدمرة تقوم بها الصحافة الخاصة ضد البلد وخصائصه الاجتماعية.
ومن ثم فإن المجتمع بين قبضتي حصار.. سماء تمطر فكرا متطرفا في قنوات سلفية تحض المرأة علي ألا تصافح الرجل وأن تتحول إلي ثقب خيمة متجول إن تجولت.. وأرض تلتهب نارا بصحف تحريض وإغلاق عقول.. لا تنتقد تراجعا ولايعنيها أن تحمل رسالة من أجل البلد.. بل أن تصب مزيدا من البنزين لعل هذا يمكن أن يرفع التوزيع ولو نسختين.هذه المنظومة هي التي أعاقت ولم تزل محاولات وزير الأوقاف أن يوحد آذان الصلاة في المساجد بدلا من تلك الفوضي التي تعتلي المآذن.. وهي التي ألهبت النار حين قال وزير الثقافة رأيا في الحجاب.. وهي التي شنت حربا بدعوي حرية العقيدة ضد شيخ الأزهر لأنه قال أن النقاب عادة لا عبادة.. وصار عليه أن يفسر من جديد ما أصبح معلوما من الدين بالضرورة.. وأصبح علي المجتمع ألا يناقش الحجاب وإنما أن يجادل في أمر النقاب.
أهذه.. مصر؟!
لقد حذرنا من ذلك قبل ما يزيد علي عامين.. وقلنا أن خوض معركة النقاب بإيقاع هادئ وغير حاسم وجدل شبه صاخب.. سوف يقود المجتمع إلي حالة تفاوض مع التطرف.. بحيث علينا أن نقبل انتشار الحجاب في عام ٩٠٠٢. بدلا من النقاب.. ومضي الوقت بدون حسم.. فأصبح النقاب محل ثبات.. لا يقبل التطرف نقاشا له.. ويعتبر من يقترب منه إنما يرفض حياء البنات.. وحماية الأخلاق من الانحراف.
مرة أخري الذي أعطي مبررا هائلا للادعاء بانفلات المجتمع بحيث تحتاج الأنثي إلي أن تحمي نفسها فيه هو وسائل الإعلام التي روجت لأساطير التحرش في الشوارع كما لو أنها صارت واقعا.. وكما لو أن البنات في مصر يتعرضن للاختطاف والاغتصاب من الرجال الوحوش علي مدار الساعة.. وكما أننا لسنا مجتمعا من ٠٨ مليون شخص.. من الطبيعي أن توجد فيه بعض المشكلات.. تلك صفة المجتمعات.. لو أن كل مواطن من الـ ٠٨ مليون حك وجهه بظفر إصبعه لكان علينا أن نتوقع عشرات من الظواهر.. لكن نار الأرض (الصحافة الحمراء) أقنعت الناس بأن الشوارع صارت ملجأ للشياطين فأصبح علي الجميع أن يخشي علي (القوارير الأنثوية) من التكسير.. فأودعن أنفسهن قيود الحماية والصون المسماة بالنقاب.
وصرت تناقش الناس في خطورة هذه الظاهرة.. وتقول أنها تغير في طبيعة المجتمع.. أنها ضد ثقافته.. هذه ليست صورة مصر.. وإذا كانت تتحول فإن علينا أن نقودها إلي الوجهة الصحيحة.. أن ندق أجراس الانتباه حتي يصحو الناس من غفلة الرجوع إلي الخلف.. هذا حقنا.. أن نحافظ علي بلدنا.. وأن نروج فيما بين فئاته النموذج العصري الملفوظ.. إذا كان التطرف يمارس عملية التسويق الدائمة للنموذج الأسود المتخلف طيلة الوقت.
إن من المهم هنا أن نشير إلي أن المحكمة الدستورية المصرية كانت قد أصدرت حكما واضحا لا لبس فيه في مايو ٦٩٩١، رفض منح الحق لطالبة في أن تدخل مدرسة بنقابها، وفي نص الحكم نجد ما يلي: في كشفها لوجهها أعون علي اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها ويفرضون نوعا من الرقابة علي سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها وأدعي لرفع الحرج عنها.ه
ذا هو نص الحكم التاريخي غير أن تلك المناقشات تواجه بحجج غريبة.. وردود عجيبة.. فتجد من يقول أن هؤلاء المنقبات الحرائر إنما يمارسن حرية دستورية.. وحقوقا عقيدية.. وأن علي السلطات الإدارية التي تمنع دخول المنقبات إلي المدن الجامعية كنوع من التأمين والأمان.. أن تواجه عوضا عن ذلك العاريات السافرات.. مرتديات (المحزق والملزق) كاشفات البطن والصدر والسيقان.. هذا ما يقولون.. ويتخيلون أننا بهذا سوف نتراجع إلي الخلف.. لئلا نكون من أنصار العري والفجور المصور أمام مستمعي النقاش في المجتمع.
ولكن من قال أن العري هو بديل النقاب.. ومن زعم أن الفتاة التي لاتغطي وجهها وتتحول إلي كتلة من ليل أسود في نهار المجتمع عليها أن تصبح عارية البطن والصدر والساقين.. لا هذه هي مصر.. ولا تلك هي أيضا.. نريد مصر طبيعية.. لا هي معقدة ولا هي منحرفة.. مصر فطرية.. غير شاذة.. أو متطرفة أيا ما كانت صور التطرف والشذوذ.ثم ما هذا التصور الريفي الكلاسيكي البالي عن أن الجامعة هي بيت العري.. وإنها مرتع للماجنات اللواتي يحاولن إغواء الشباب الغض الغرير؟.. هل نسيتم أن الجامعة بيت العلم.. وأن المعهد الديني بيت علم من نوع آخر.. أم أن الصورة الذهنية الأسطورية المتخيلة التي صنعها التطرف عن الاختلاط جعلت العقول تذهب إلي مساحات من الخيالات العابثة المريضة.
تناقضات مصرية
إن هذه المناقشات تضع أيدينا مجددا علي تناقضات تلخص تناحرات توجزها مجادلات النقاب الجارية الآن.. وهي في حد ذاتها تقودنا إلي عدد من مشكلات المجتمع التي ولابد أن تجد حلا ومعالجة.. بخلاف المواجهة الثقافية الإدارية الحالية.فمن جانب نحن أمام نقيض ريفي في مواجهة نقيض مدني.. ذلك أن الفتيات المستهدفات بقرار الجامعات العامة هن ساكنات المدن الجامعية.. أي الآتيات من الريف.. والقادمات من مهاجر بعيدة.. ومن المعتاد في أي مجتمع أن تكون هناك فجوة ما بين الفئات المجتمعية التي تنتمي للأماكن الجغرافية المثيلة.. ولكن أن تتسع الفجوة لكي تصبح هوة.. وأن تصبح بنت المدينة رمز العري وبنت الريف رمز النقاب.. وأن تخضع كثير من بنات المدينة للضغط الاجتماعي والديني من بنات الريف - مدعوما بوسائل متنوعة - فإن هذا يحول الفجوة إلي هوة.. ويؤدي إلي مشكلة كبيرة.. وتغيير مجتمعي صارخ.
ومن جانب ثان نحن أمام صراع طاحن بين المؤسسة المستنيرة المعبرة عن دين سمح غير متطرف.. وبين المؤسسة غير القانونية للتطرف.. الثانية تواصل الطعن في الأولي طيلة الوقت لكي تفقدها مصداقيتها.. ولكي تجعل شرعية تثقيفها للناس بصحيح الدين محل شك وريبة.. وبحيث تجعل الإمام الأكبر بكل ما له من مكانة وقيمة كما لو أنه يخضع للإملاء.. ولايراعي في فتواه وتوجيهه صحيح العلم وصائب الدين.
هذه حرب مستعرة منذ زمن بعيد.. ووجب علينا أن ننتبه إليها من جديد.. أن نوقف الهجوم علي المؤسسة الدينية للمجتمع.. فهي ليست مؤسسة للدولة.. وأن نعضدها ونساندها وأن ندلها علي مزيد من طريق الاستنارة لكي تقف في وجه طغيان التطرف الذي يريد أن يحقق فصاما مجتمعيا يفصل بين الناس ونخبتهم وبين القرية والمدينة وبين المسئول والمواطن.. من أجل تحقيق هدف بعيد لا علاقة له إطلاقا بالنقاب أو العري وإنما لها علاقة بالسياسة والسعي إلي السلطة.. ولذا يجب أن ننتبه إلي أن الذين يقودون حملة تشويه شيخ الأزهر هم الإخوان المحظورون.
ومن جانب ثالث نجد تناقضا بازغا ناميا بين الرجل والمرأة.. تناقضا يتراوح ويتماهي بين مربعات متقاطعة.. فإما أن الرجل مجرد وحش يجب أن تحتمي منه المرأة.. وإما أن الرجل ينضم إلي معسكر الملائكة الأطهار في مقابل مجموعة أخري من الرجال الشياطين.. وبالتالي تجد أن فريقا من الذكور يدافع بطريقة مروعة عن نقاب النساء وتشعر من الدفاع أن قرار ارتدائه ليس نسائيا خالصا وإنما صدر بأمر رجل قرره للابنة أو الزوجة أو الأخت.. وفي النهاية تتسع الهوة بين الرجل والمرأة ونخرج من مجتمع المساواة والتواصل الذي نسعي إليه ونجاهد من أجله في عصر حقوق الإنسان.
جولات في حرب
تلك جميعا تناقضات معضلات تحتاج إلي عمل كثيف.. لا يجب أن يقف عند حدود إصدار قرارات إدارية بمنع دخول المنقبات إلي المدن الجامعية.. وبمنع تواجد المنقبات في المعاهد الدينية.. الموضوع أعمق من هذا ويحتاج إلي عمل ثقافي وديني وإعلامي وتعليمي مستمر ومتواصل.. لن ينتهي بين يوم وليلة.. ولابد له من خطة مكثفة لايفقد فيها عنصر طاقته ولايتراجع فيها طرف عن إرادته.لقد خاض وزير الصحة من قبل معركة ضارية ضد الممرضات المنقبات.. وواجه عنتا وعنفا لفظيا وحربا لم يسانده فيها سوي روزاليوسف.. وخاض وزير الأوقاف معركة تالية ضد النقاب فكان أن ووضع علي لوحة التنشين من قبل المتطرفين.. وظل هكذا يواجه سيلا من الطلقات كلما أقدم علي خطوة لإصلاح العقل الجمعي العام تجاه مثل تلك الأفكار.. وها هم رؤساء الجامعات ووزير التعليم العالي ومن قبلهم شيخ الجامع الأزهر يواجهون أيضا معركة جديدة.
ليس علينا إلا أن نعتبر هذا كله حربا واحدة من جولات مختلفة.. وأن تتكاتف الجهود ليس لأننا نرفض أن يكون كل فرد حر يرتدي ما يشاء.. حتي لو كان نقابا.. وإنما لأننا نريد أن نحمي صفات البلد.. حتي لا نفاجأ أننا قد أصبحنا مجتمعا أفغانيا من عصور ما قبل التاريخ.. نركب البغال ونطلق اللحي كما سكان الجبال وتختفي نساؤنا خلف أستار من الظلام.
عبد الله كمال
10 أكتوبر, 2009
المنقبات ..والعاريات
26 سبتمبر, 2009
بطرس وفاروق ..والعصابه التى تحكم العالم ..شهيد اليونسكو هل يصلح لاداره وزاره الثقافه الان؟
مقال عبدالله كمال المنشور فى مجله روزاليوسف
عدد يوم 25 سبتمبر 2009
=======================
بدا رئيس الوزراء البلغاري (بويكو بوريسوف) مندهشا ومفاجأً وهو يعلق علي فوز مواطنته (إيرينا بوكوفا) بمنصب مدير عام اليونسكو.. وقال وهو يطير من الفرح: هذا اعتراف كبير ببلغاريا. وأضاف في البداية بدت فرصها في الفوز ضئيلة للغاية.. بل إن انتخابها لم يكن متوقعا، وهو نصر كبير لدولة صغيرة مثل بلغاريا.. هذه الحالة التي كان فيها رئيس الوزراء لايصدق نفسه تعبر حقا عن أن (بوكوفا) لم تكن سوي ورقة لعب علي مائدة استخدمت فيها الولايات المتحدة كل الأساليب غير الموصوفة.. بما في ذلك وصول سيدة لم تتوقعها بلدها، ولا هي نفسها توقعت، إلي هذا المنصب الثقافي الرفيع.
إ
ن (بوكوفا) لاتختلف كثيرا عن (كوفي عنان)، إذ مع كامل الاحترام لها وله، كان هو المرشح البديل الذي طرحته الولايات المتحدة لكي تنهي به أسطورة وجود بطرس بطرس غالي، المصري العربي الأفريقي، في موقعه كأمين عام للأمم المتحدة لفترة ثانية.. وقتها.. وقبل ٣١ عاما.. استخدمت واشنطن كل آلتها الجبارة بقضها وقضيضها؛ لكي تنتزع غالي من الإجماع الدولي الذي كان يحيط به.. وفعلت كل شيء.. تماما كما حدث مع فاروق حسني.. لكي يخرج بطرس من موقعه.
بالصدفة، أو لعلها ليست كذلك، كان الرئيس الأمريكي ديمقراطيا، بيل كلينتون، وهو واحد من أهم أصدقاء مصر علي مر تاريخ العلاقة المصرية الأمريكية، وتكرر السيناريو أيضا في عهد أوباما الديمقراطي الذي كنا نستبشر - ولم نزل - بأنه سيكون من أفضل أصدقاء مصر.
وفي الحالتين كان هناك مدير معركة سافر من الجانب الأمريكي يواصل جهوده المكشوفة وغير الدبلوماسية علي مدار الساعة.. ليس لإنجاح بوكوفا أو عنان وإنما أولا: لإسقاط فاروق وبطرس.. في الأولي كانت هناك مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ومن خلفها بوضوح منقطع النظير وارين كريستوفر وزير الخارجية.. وفي الثانية: كان هناك ديفيد كيللون مندوب الولايات المتحدة في اليونسكو ومن خلفه توجهات وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس التي يبدو أن هيلاري كلينتون لم تتخلص منها بعد.
# الديانة ليست مشكلة
إ
ن العودة إلي قصة بطرس تكشف عن معني لاينبغي تغافله.. وهو أن المشكلة ليست في الديانة بالقدر الذي نعتقده.. فاليونسكو كان فيها من قبل مدير عام مسلم من السنغال.. وبطرس قبطي متزوج من يهودية.. وإنما المشكلة في قومية المرشح المصري وجذوره الحضارية وتوجهاته السياسية.. المعضلة في رافده العربي الذي يصب في أفكاره.. سواء كان هو فاروق حسني أو بطرس غالي.. وفي برنامجه المتوقع في حالة فاروق، أو الذي كان قد انتهجه ونفذه بالفعل في حالة بطرس.
ومن المدهش أن الولايات المتحدة في الحالتين لوحت بأنها سوف تنسحب من المنظمة الدولية التي تخوض فيها تلك المعركة لو أن رغبتها لم تنفذ.. هكذا فعلت في اليونسكو وهكذا فعلت في الأمم المتحدة.. وتلك معضلة تثار من حين لآخر وتطرح علي المائدة كيف يمكن أن يكون القرار ديمقراطيا في المنظمات الدولية إذا كان مرهونا بتلويحات وتهديدات القوة العظمي.. التي من سخرية الأقدار تنادي بالديمقراطية في المجتمعات المختلفة.
والمعني في القصتين واضح جدا.. ليس في المؤامرة فحسب.. ولكن في أن الواقعتين تثبتان بما لايدع مجالا للشك أن العلاقة الوطيدة بين مصر والولايات المتحدة لم تتحول يوما إلي تبعية.. وأن الندية تحكم المسار.. والمصالح فيها فوق كل اعتبار.. مصالح الولايات المتحدة التي تبدي استعدادا لأن تخسر الرأي العام المصري والعربي مقابل أن تتخلص من شخص غير مرغوب فيه.. ومصالح مصر التي لاتبدي استعدادا من أي نوع للتنازل عن مرشحها أو مساندته ولو أدي هذا إلي مواجهة مكشوفة مع الصديق المتعنت في واشنطن.
والمعني أيضا - وقد يكون صدفة بدوره - أن الولايات المتحدة حين تمضي في هذا الغي البيروقراطي ذي الأبعاد السياسية لاتنشغل إطلاقا بطبيعة الشخص الذي تواجهه.. وهو في الحالتين - بطرس أو فاروق - كان مستهدفا من الطرفين المصري والعربي.. لا هذا تقبله جماعات الظلام المحلية ولاذاك تقبله جماعات العنف والتخلف الإقليمية.. وقد هوجم كلاهما طوال الوقت من مختلف التيارات السوداء.. وفي الموقفين حققت الولايات المتحدة للتطرف قدرا هائلا من المساندة.. كانت تدري أو لاتدري.
تلك قد تبدو مقدمة طويلة، ضرورية، وملخصة، لتحليل جديد ومقاربة إضافية لهذه الملحمة التي تابعها العالم كله خلال الأيام الماضية حين أسقط المرشح المصري لمنصب مدير عام اليونسكو.. وهو المنصب الذي لم يكن يشغل الأرض بهذا القدر من الاهتمام.. مقاربة تشير إلي الطريقة التي تخدم بها الولايات المتحدة التطرف الذي تقول أنها تحاربه.. وكيف تخسر الرأي العام الذي تقول أنها تلاطفه وتتودد إليه.. في حين أنها باليقين تخادعه.. وهي أيضا مدخل لكي نناقش ردود أفعال التطرف الديني والسياسي في المنطقة.. حيث أعلن عن أفراحه وشماتته في خسارة فاروق حسني.
من ثم سوف أتطرق في هذا المقال إلي ثلاث نقاط:
- ماذا حدث مع بطرس غالي وما هي علاقته بما حدث مع فاروق حسني؟ باعتباره يتضمن دلالات مهمة جدا في مسار العمل الدولي والعلاقات بين الحضارات.
- موقف التطرف الديني من فاروق حسني قبل وبعد أن خسر؟ باعتباره يعبر عن توجهات غير وطنية ولايمكن تغافلها في تقييم هذا التطرف.
- المستقبل السياسي لفاروق حسني بعد هذه المعركة الشرسة؟ باعتباره سؤالا مطروحا علي الرأي العام.. حتي لو كان الوزير قد قال بعد عودته: لن أستقيل.
# مكالمة من تل أبيب
أعود هنا إلي المذكرات المهمة للغاية التي أصدرها الدكتور بطرس بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وعنوانها كما هو معروف (خمس سنوات في بيت من زجاج) حيث رصد مجريات إزاحته والمعركة التي خاضها.. وليس مثيرا للتعجب أن نقول إن إحدي أهم الأدوات التي استخدمت في تلك المعركة كانت هي الصحافة الدولية الموجهة.. فبين كل معلومة وأخري يذكرها بطرس غالي كان يشير إلي مقال أو خبر في جريدة كبري يمثل رسالة أو تسريبا أو معلومة أو توجها في إطار الحملة التي تم شنها عليه.. وذلك نفسه ما جري مع فاروق حسني.
كان الرئيس مبارك معضدا ومساندا لبطرس غالي وترشيحه الثاني، كما كان في ترشحه الأول، وكما كان في ترشيح فاروق حسني، ومن المدهش أن فرنسا كانت سندا لمصر في الحالتين.. غير أن الرؤساء لا يتساوون - وبينهم فروق - وإذا كان لميتران وشيراك منهج واضح في حالة بطرس غالي.. فإن لساركوزي منهجاً متمايزاً وقد يكون صادما.ومن المثير أن الولايات المتحدة حين بدأت في شن حملتها علي فاروق حسني فعلت نفس الشيء الذي فعلته مع غالي.. إذ مضت تعبث بكل ما أُوتيت من قوة وأدوات في الملعب الأفريقي المتقاطع.. إلي أن اخترقته بالإغواء والترهيب.. ووقتها كان بطرس غالي يحظي بدعم الجميع الأفريقي وعلي رأسه نيلسون مانديلا.. لكن الجميع تفرق بين يوم وليلة.. وليس لذلك علاقة علي الإطلاق بمكانة مصر الأفريقية.. وإنما له علاقة بما تقوم باستخدامه الدولة الأقوي من أدوات ومعاول ومجنزرات تصنف للأسف علي أنها من آليات الدبلوماسية.
لقد كان السبب الأهم في أن الولايات المتحدة قررت أن تقف في وجه إعادة ترشيح بطرس غالي هو أنه كان مستقلا.. غير تابع.. ولم يكتف بهذا عمليا، بل إنه أعلن عن ذلك قبيل حملة انتخابية رئاسية أمريكية.. ففي يناير ٦٩٩١ ألقي بطرس محاضرة في جامعة إكسفورد ركز فيها علي (أهمية استقلال الأمين العام للأمم المتحدة علي النحو المنصوص عليه في ميثاقها وعلي الحاجة الملحة لإيجاد وسائل جديدة لتمويل عمليات الأمم المتحدة نظرا لأن الولايات المتحدة رفضت أن تدفع الاشتراكات المستحقة عليها).
ويقول بطرس أنه علم أن كلماته أغضبت البيت الأبيض والكونجرس.. وقيل له أنه تجاوز الحدود أصلا في الاستقلال خلال الخمس سنوات الماضية من عمله.. وبالتالي كان أن أبلغ أن الولايات المتحدة لن تدعم إعادة ترشحه مرة أخري.. وصله هذا عبر وسيط (ساريوس فانس).. ومباشرة عبر مكالمة تليفونية من وارين كريستوفر وزير الخارجية الذي - وياللصدف - كان يهاتف الأمين العام تليفونيا من تل أبيب خلال رحلة إلي الشرق الأوسط.. وبعدها نشرت جريدة الـ وول ستريت جورنال خبرا قصيرا كان عنوانه هو: باي باي بطرس!.. كان من الواضح أنه من تسريبات الإدارة.
ومادام قد جاء ذكر تل أبيب، فإننا لايمكن أن نغفل وجها للمقارنة بين قصة بطرس وقصة فاروق، فقد كان التقرير الذي أصدره الأمين العام للأمم المتحدة بشأن مذبحة قانا التي ارتكبتها إسرائيل أمراً تريد الولايات المتحدة ألاَّ يصدر.. حتي لا يؤثر علي فرص انتخاب بيريز مرة أخري كرئيس لوزراء إسرائيل.. لكن بطرس أصدر التقرير الذي أزعج بيل كلينتون.. وتلي ذلك انتخاب نتانياهو رئيسا للوزراء.
# عرض بحل وسط
فيما بعد كان أن أصر بطرس غالي مدعوما من مختلف دول العالم علي أن يترشح.. وأن يحصل علي فترة ثانية.. مثل أي أمين عام للمنظمة الدولية.. وتطورت الأمور إلي أن أبلغ بعرض أمريكي مؤداه أنه يمكن أن يبقي بشرط أن يقضي عاما أو عامين فقط.. وبعدها يترك موقعه.. وعلق بطرس قائلا: (لايمكنني أن أرد عليك بنعم أو لا.. إن بلدي هو مصر.. وقد رشحني الرئيس مبارك لكي أكون أمينا عاما.. وأنا أمثل أفريقيا.. ولا أستطيع أن أتخذ قراري وحدي دون إبلاغهم أو التشاور معهم.. أنا أتحمل مسئولية تجاه من طلبوا مني أن أعمل فترة ثانية).
واتصل بطرس بالرئيس مبارك.. فقال له: إن جميع من سبقوك كانت لهم فترة ثانية.. فلماذا لاتكون أنت كذلك.. وأضاف أنه سوف يبعث رسالة إلي كلينتون ينقل فيها الطلب الرسمي من مصر بأن تتم مساندة بطرس غالي للحصول علي فترة ثانية كاملة.. أي ليس عاما أو عامين.
وفيما بعد قال نيلسون مانديلا لبطرس غالي: لابد أن تحصل علي فترة ثانية.. مدتها خمس سنوات كاملة.. كل أفريقيا سوف تؤيدك في ذلك.
وقال له الرئيس الفرنسي جاك شيراك: أنا أعارض أي حل وسط.. ولابد أن تحصل علي فترة ثانية.. كاملة.. وأنا أؤيدك تأييدا تاما.. ومستعد للقتال من أجلك.
ومن المدهش، علي سبيل المقارنة، أن مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة كانت تقوم بكل جهد من أجل أن تكسر الإجماع الأفريقي حول بطرس غالي.. وإذا كان ممثل لإحدي دول أمريكا الوسطي قد قال إنه فوجئ بحجم الضغوط المذهلة التي مورست عليه أمريكيا حتي يوم الثلاثاء الماضي لكي لايتم التصويت لفاروق حسني.. وإذا كانت بعض الدول الأفريقية قد أدهشتها الاتصالات المكثفة من ديفيد كيللون مندوب الولايات المتحدة في اليونسكو طيلة الأيام السابقة علي التصويت.. فإن أولبرايت كانت تقوم بنفس الطريقة باتصالات مكثفة مع جميع ممثلي الدول الأفريقية المشاركين في قمة ياوندي عام ٦٩٩١ لمنع إصدار بيان بإعادة ترشيح بطرس غالي أفريقيًّا.
ومضت الولايات المتحدة بعيدا جدا.. وفي ظل إصرار بطرس غالي علي موقفه.. فإنه كان يتلقي من حين لآخر نصائح بأن ينسحب في هدوء.. وأن يخرج محتفظا بكرامته.. يأتيه هذا مكتوبا في صحيفة.. أو من خلال مكالمة هاتفية من أحد الناصحين.. وهو يعلق علي هذا قائلا: كانت هذه النصائح تأتيني من أولئك الذين يزعمون أنهم حريصون علي كرامتي.. والحقيقة أن كرامتهم هي التي كانت معرضة للخطر.. فلو أنني كنت تخليت عن منصبي لتفادوا القيام بهذا العمل القذر للتخلص مني.وفي المعركة تفاصيل عديدة.. لا داعي لذكرها.. فهي تصل جميعا بنا إلي نفس المعني..
والخلاصة أن التصويت الأول علي اسم بطرس غالي أظهر الولايات المتحدة معزولة وحيدة في مواجهة العالم كله.. إذ وافق مجلس الأمن علي إعادة ترشيحه أمينا عاما.. ووقفت الولايات المتحدة بالفيتو في مواجهة القرار.. وبعد ذلك استمرت الضغوط إلي أن تم الدفع بكوفي عنان أمينا عاما أفريقيا بديلا.
# الشامتون المصريون
لقد كان هذا هو موقف الولايات المتحدة من بطرس غالي، ومن بعده فاروق حسني، ومن المثير - وإن كان من غير المدهش - أن تجد هذا يصب في صالح التطرف الديني.. بخلاف كونه يسبب حساسيات مهولة بين الشعوب.. ولن أذهب بعيدا.. بل أتطرق هنا إلي مقال نشره علي الإنترنت نائب إخواني اسمه حمدي حسن قال فيه حرفيا بعد أقل من ساعتين من إعلان خسارة فاروق حسني:
(لم ألحظ فرحة جماعية قدر فرحة المصريين لخسارة فاروق حسني كمرشح لليونسكو وهو موقف يتناسق مع غضب المصريين من الجرائم التي ارتكبها حسني في حق الكرامة والثقافة والهوية والتاريخ لبلده وبعد تنازلات أكثر من مهينة قدمها حسني علي طبق من ذهب للصهاينة في سبيل مقعد مسلوب ومنزوع الإرادة).
ولست أدري علي وجه اليقين من أين جاء النائب غريب الأفكار بهذه الثقة وهو يؤكد فرحة الشعب المصري بخسران فاروق حسني.. فالحاصل هو العكس تماما.. حتي بين المختلفين مع فاروق حسني.. ولو كان يريد الدليل فإن عليه أن يراجع صحف الأربعاء والخميس في مصر لكي يدرك حجم القرف من هذا التصرف الأمريكي.. والغضب من المؤامرة التي حيكت ضد الوزير. ولكي تعرف الولايات المتحدة إلي أي مدي خدمت التطرف، ولكي تدرك عصابة الإقصاء التي تدير العالم ولا تريد فيه شريكا من أي رافد حضاري آخر.. فإنني أنقل هذه الفقرة التالية من مقال نفس النائب:
(إن المواقف التي اتخذها حسني من أجل تدعيم ترشحه كرئيس لليونسكو ترقي لجريمة الخيانة العظمي ومنها إنكاره لتصريحاته الشهيرة بمجلس الشعب باستعداده لحرق الكتب اليهودية إذا ثبت وجودها بالمكتبات وأنه أدلي بها كسخرية - وهي إهانة للمؤسسة التشريعية لبلاده - ومنها اعتذاره المشين والمهين وغير المسبوق والذي نشره في واحدة من أكبر الصحف الفرنسية يتملق فيه الصهاينة ويعتذر لهم بذلة ومهانة واستكانة طالبا العفو والمغفرة متعهدا - في حالة فوزه بالمنصب - باتخاذ مواقف تقر بها أعينهم مناصرا لتاريخهم وثقافتهم - بينما في أزمة تصريحاته وإهانته للحجاب والثقافة والهوية الإسلامية، بل والشيوخ والمفتين يرفض حتي الاعتذار والاعتراف بالخطأ ومهددا بالاستقالة - وكأننا سنفقد قيمة تحفة تاريخية لا تقدر بثمن!)
لقد وصل الأمر حد اتهام الوزير بالخيانة العظمي.. وهو أمر ليس بجديد علي تعامل مثل هذا التيار مع الوزير فاروق حسني.. فمن قبل خاض الإخوان المتطرفون ضده معارك متنوعة.. واجهت ميوله الفكرية وتوجهاته الثقافية.. وله في هذا تاريخ طويل.. لايبدأ من أحداث رواية وليمة لأعشاب البحر.. ولاينتهي بالضجة التي أثيرت حول احتفالات الألفية ولايقف عند أزمة تصريحاته حول الحجاب الشهيرة.ولكن الأمر لا يقتصر عليه من جانب مثل هذا التطرف.. فكما شملته لعنات هؤلاء الشامتين.. شملت أيضا بطرس غالي.. وليس عجيبا أن أقول أن نفس المقال تضمن هجاء في الأمين العام السابق للأمم المتحدة.. لأنه يمثل رافدا مناقضا لقيم التطرف.. وقد قال حمدي حسن:
(وما حدث يذكرني بتولي بطرس غالي منصب الأمين العام للأمم المتحدة حيث لم تجن مصر ولا العرب خيرا، بل اتخذت أسوأ القرارات ضد الأمة في عهده الأسود).والمعني في الحالتين واضح جدا.. وهو أن هذا الفصيل المنتمي زورا إلي مصريتنا إنما يرفض أي تواجد أو تمثيل مصري مشرف للبلد في الساحات الدولية.. لأن مثل هذا يمكن أن يكشف عن نماذج قدوة تأسر الشباب وتقدم لهم أشخاصا ملهمين بعيدا عن الغياب الذي يقودهم إليه الإخوان.. ويمنحهم الثقة في بلدهم ومكانتها.. وتأثيرها..
ولعل حمدي حسن هذا الشامت في ابن بلده ووزيرها سارع إلي كتابة هذا المقال المنحط مضمونا وفكرا لكي ينسف لدي تابعيه أي اقتناع بأن ما تعرض له فاروق حسني هو مؤامرة.. ولكي يذيب من داخلهم أي إحساس بالالتفاف حول القيمة التي يمثلها والموقف المشرف الذي يمكن استخلاصه من معركته والمعركة التي خاضها البلد من أجله.شخص مثل هذا إنما يريد أن ينفي ما استوعبه هو شخصيا من الموقف برمته.. وهو أن المعركه كان عنوانها الاستقلال المصري عما تروجه جماعته طيلة الوقت بأن مصر تابعة للولايات المتحدة.. وفي مضمون هذا كله ما يجب أن تدرسه الولايات المتحدة بدقة.. إذ بمثل هذه الأفعال تخدم كثيرا جماعات تطرف مثيلة.
# مؤسسة القدس
نأتي الآن إلي إحدي المسائل المتداولة بين قطاعات من الرأي العام.. خاصة النخبة المثقفة.. حول مستقبل فاروق حسني السياسي بعد هذه المعركة الطاحنة.لقد سارع الوزير نفسه بعد أن عاد إلي مصر من باريس وقال إنه لن يستقيل من منصبه.. وعلق الأستاذ صلاح عيسي الكاتب الصحفي الكبير وقال: لو طالبناه بالاستقالة من منصبه نكون كمن نسلم رقبته للوبي اليهودي الدولي.. والتصريح مفهوم والتعليق عليه أيضا مفهوم.. ولكن هذا لايضع حلا للمعضلة التي تواجه فاروق حسني ليس فقط بعد وصوله إلي بلده عائدا من تلك المعركة وإنما منذ أعلن عن ترشيحه لمنصب مدير عام اليونسكو.
بغض النظر عن كونه مرشحا مصريا عربيا أفريقيا مسلما للمنصب.. فإن وصوله إلي هذا الموقع الدولي الرفيع لاشك أنه كان سيمثل ختاما مميزا لمسيرة ممتدة.. علي الرغم من أنني أعتقد شخصيا أن الوزير أكبر من منصب مدير عام اليونسكو الموصوف مجازا بأنه وزير ثقافة العالم.وعمليا أصبح الوزير خلال الفترة الماضية متفرغا للمعركة الانتخابية بحيث يمكن القول أنه قد تباعد عن عمله الروتيني لما يزيد علي عام.. لأسباب تتعلق بجهد واجب القيام به خلال الاتصالات الدولية.. وواقعيا فإن السمعة الدولية التي اكتسبها والمكانة الرفيعة التي بلغها بدون أن يحصل علي المنصب قد تكون بينها وبين مهامه التنفيذية فجوة ملموسة.
ومن الطبيعي أن تكون الوزارة قد تعرضت خلال الفترة الماضية إلي قدر من الصراعات والتنافسات ما بين أطراف اعتقدوا أن من حقهم أن يصبحوا وزراء للثقافة.. وهذا طموح مشروع.. بغض النظر عن قبولنا لمنطقية الصراعات.. وتلك الحالة في حد ذاتها توجب علي فاروق حسني جهدا خارقا لكي يعيد التئام الوزارة ومؤسساتها.. وأن يعيد اللحمة إلي ما تقطع وبرز بينه وبين الآخرين من شقاق.
وإذا كان الوزير يتحدث عن أنه سيكون مشغولا في الفترة المقبلة بالمشروعات الثلاثة الكبري (المتحف المصري الجديد باعتباره أكبر متحف في العالم - ومتحف الحضارة - وتطوير القاهرة التاريخية).. فإن تلك مشروعات سبق أن بدأها.. وهي تصب إجمالا في العمل الأثري.. ولكن المطلوب قد يكون أكبر من هذا.. أو من الاستمرار في مسيرة بدأت وتعمل بالفعل.وهنا أقدم اقتراحا شخصيا للسيد الوزير.. يكون بمثابة نقلة نوعية في مسار عمله الثقافي الشخصي ومسار عمله كشخصية مصرية خرجت من هذه المعركة.. وهو أن يعمل فورا علي تأسيس منظمة مدنية دولية لحماية القدس.. والحفاظ علي الموروث الثقافي المتنوع فيها.. باعتبارها مدينة الأديان.. وبحيث يكون أحد أهم أدوارها هو القيام بدور فاعل في حوار الحضارات.. فالقدس كما أنها ملتقي الصراع بين تلك الحضارات فإنها هي الموقع الذي نسعي إلي أن يكون مكانا للقاء.
ويجوز لهذه المؤسسة أن تحصل علي تمويلات من مهتمين عرب ومسلمين، بل وربما أصدقاء غربيين قد لايكونون في باريس وواشنطن.. وبحيث لاتبدو هذه المنظمة باعتبارها ذات طابع ديني.. وإنما ذات طابع إنساني.. ويكون هدفها ثقافيا حضاريا.. وتعمل علي ترسيخ الصفات الثقافية للقدس التي تتعرض لعملية تهويد مستمرة.. وتعقد المؤتمرات والندوات وتبقي موضوع القدس ملحا.ولا أشك أن فاروق حسني نفسه قادر علي أن يقوم بالحشد لتأسيس هذه المنظمة التي سوف تمثل نوعا من المواجهة السلمية لكل ما تعرضت له القدس.. وكل ما تعرض له حوار الحضارات من انتكاسات.. وأن تعمل علي إعلان موقف إنساني مصري وعربي ودولي من المسائل المختلفة التي تطرحها تلك المعضلة في صراع الشرق الأوسط.
08 أغسطس, 2009
ماذا لو حكمنا الان عمر بن الخطاب؟ ..هل على اى حاكم ان يكون مسئولا عن كل شىء؟
مقال عبدالله كمال المنشور فى روزاليوسف اليوميه بتاريخ 8 اغسطس 2009
قبل مايزيد على ثلاثة أسابيع وصلتنى رسالة عن تزايد القمامة فى أحد الأحياء شكوى عادية ومتكررة لكن الطريف فى مضمونها هو أن صاحبها حمل مسئولية المشكلة على نظام الحكم برمته واستعان فى التدليل على ذلك بمقولة شهيرة لأمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه «والله لو أن ناقة عثرت فى العراق لسألنى الله عنها»
وقررت أن أناقش الفكرة وهل هذه المقولة العظيمة المعبرة عن اتساع نطاق مسئولية الحاكم وصولا إلى أدق التفاصيل وكلها تصلح لأن تكون منهجاً وطريقة للحكم اليوم ؟ غير أن مجموعة من المسائل العامة ضغطت على أجندتى فتأجل المقال إلى أن فرض نفسه من جديد بسبب ما جرى فى لقاء أخير لرئيس الوزراء مع مجموعة من شباب الجامعات قبل أيام فى بورسعيد
شاب، للدقة طالب، أخذ دوره فى السؤال فلم يسأل الدكتور نظيف وإن ألقى عليه مايشبه التعليق أمام زملائه ذاكرا مقولة سيدنا عمر الشهيرة وقال لرئيس الوزراء حين غرق الضحايا فى حادث العبارة أنا بكيت فهل أنت بكيت؟ وعلق الدكتور نظيف على ما قاله الشاب بغض النظر عن طريقته فى طرح تعليقه التى خرجت عن سياق اللياقة الواجبة ودافع رئيس الوزراء عن نزاهة الحكم وعن أنه لايؤيد الفساد وأن كل قضايا الفساد تحال إلى المحاكم بأمر الحكومة فجهاز الرقابة الإدارية مثلا يتبع رئيس الوزراء ولم يتجهم وهو يبعد الشباب عن حالة التشاؤم ويؤكد لهم أهمية وطنهم وإنجازاته ونماذجه الناجحة
وكما صفق الطلبة حماساً لجرأة زميلهم فإنهم صفقوا اقتناعا بإجابة رئيس الوزراء ولكن هذا الموقف العابر الذى أخذ حجماً كبيراً من تغطيات الصفحة الأولى فى بعض الجرائد يعود بنا إلى المسألة التى يجب أن تناقش بوضوح هل العصر الحالى يمكن أن نستعيد فيه الحكم على طريقة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب نموذج العدل وقدوة الحسم والتقشف؟الدعاية للدولة الدينية
مايدفعنى إلى هذا هو أن بعض التيارات المتطرفة تستخدم تلك العبارة وما يماثلها للتدليل على أن نموذج الحكم فى صدر الإسلام كان عادلاً للغاية وبالتالى فإن «الدولة الدينية» التى يسوقون نموذجها إنما تمثل للناس ترياقا ضد مايعانون منه وتقول لهم إن هذه الصيغة فى الإدارة
هى الأصلح وهى التى يمكن أن تقدمها تلك التيارات إن حكمت أو بلغت السلطة بشكل أو آخر
شاب فى مقتبل العمر حين يسترشد بمقولة الخليفة العظيم وهو يوجه ملاحظاته لرئيس الوزراء يفرض علينا أن نطرح تساؤلاً جوهرياً حول المعانى التى يؤمن بها الشباب ومن يمثلهم والأجيال الجديدة فيما يخص طريقة الحكم وتوزيع المسئوليات فى النظم الحديثة وتطبيق الديموقراطية فى العصر الحالى
مبدئياً، لايمكن القول أن الطريقة التى أدار بها سيدنا عمر دولته كانت هى تلك الطريقة التى يجب أن تكون عليها الدولة الإسلامية فى مختلف العصور ففيما بعد اغتياله دارت عجلة الزمن وتوالى على المسلمين خلفاء من مختلف الفئات الذين حكموا كل منهم بطريقته حين كانت هناك خلافة متسعة عبر القارات بحيث إنه لايمكن القول بأن طريقة هذا أو ذاك من الخلفاء والأمراء تمثل المواصفات الكاملة لطرق الحكم العادلة خاصة أن كثيراً منها إن لم يكن أغلبها فيما بعد الخلفاء الراشدين لم تكن عادلة بالمعنى المفهوم للعدالة أو كانت تتميز بقدر هائل من الانفلاتات والتجاوزات التى أدت إلى تناحر المسلمين أنفسهم
وسيدنا عمر ذاته، يمثل حالة خاصة جداً، وربما استثنائية للغاية، ليس فقط فى التاريخ الإسلامى وإنما فى التاريخ الإنسانى كله، إلى الدرجة التى دعت كاتب عبقرية عمر الأستاذ عباس محمود العقاد لأن يخصص فصلاً كاملاً فى كتابه الأشهر بعنوان عمر والحكومة العصرية قال فى مستهله «من الحقائق التى يحسن ألا تغيب عنا ونحن نقدر الأبطال من ولاة العصور الغابرة أنهم أبناء عصورهم وليسوا أبناء عصورنا، وأننا مطالبون بأن نفهمهم فى زمانهم وليسوا هم مطالبين بأن يشبهونا فى زماننا»
ويقول العقاد عن ابن الخطاب مدللاً على رؤيته «خذ مثلا أنه وهو أقدر المالكين فى عصره كان يقنع بالكفاف ويلبس الكساء الغليظ ويهنأ أبل الصدقة أى يداويها بالقطران ويراه رسل الملوك وهو نائم على الأرض نومة الفقير المدقع وهو يدخل الشام فينزل عن بعيره ويخلع خفيه ويخوض الماء ومعه بعيره، ويسافر مع خادمه فيساوى بينهما فى المأكل والمركب والكساء حاكم من حكام العصر الحديث لايصنع هذا ولايطالب بأن يصنعه هو وأبناء العصر الحديث على حق فيما ارتسموه لأنفسهم من السمت الهيئة والشارة لأن حاكم الأمة يحتاج إلى المهابة بين قومه وغيرهم من الأقوام وهذا حسن مشكور»
ا
لعودة إلى الخلف
والمعنى أن لكل عصر حكامه وأساليبه ولكل زمن طريقته ولكل دولة منهجها فى إدارة شئونها والأساس فى الاختلافات هو أن نتفق على القيم الواجب اتباعها وإن تباينت الأساليب ففى كل زمان يسعى الناس إلى العدل وفى كل وقت يرغب الناس فى المساواة وفى كل عصر يريد الناس أن ينال الجميع حقه وأن يخضع الحاكم إلى المساءلة ولكن الطرق تتباين والأنظمة تختلف والحياة تتطور والمجتمعات تتبدل ومع حدوث التطور فإن الطرائق تتنوع ولايجوز أن نعود إلى عصور سحيقة بنفس طريقتها لأن العودة قد تهدر كل شىء وبما فى ذلك العدل الذى ننشده
وللتدليل على ذلك نعود إلى واقعة شهيرة فى سيرة خليفة المؤمنين العظيم تلك التى تروى أن عمرا رضى الله عنه كان يعس فى المدينة فسمع صوت رجل وامرأة فى بيت فتسور الحائط فإذا رجل وامرأة عندهما زق خمر الزق الإناء فقال عمر ياعدو الله أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصية؟ فقال الرجل يا أمير المؤمنين، أنا عصيت الله فى واحدة وأنت فى ثلاث فالله يقول ولاتجسسوا وأنت تجسست علينا والله يقول وأتوا البيوت من أبوابها وأنت صعدت الجدار ونزلت منه، والله يقول ولاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها وأنت لم تفعل ذلك فقال عمر هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ فقال نعم، والله لا أعود فقال اذهب فقد عفوت عنك
ومن المؤكد أنه لايمكن أن تطلب من أى حاكم الآن أن يسير فى المدينة لكى يعس بين الناس ويعرف أحوالهم من خلال التجسس عليهم كما أنه ليس من مهمة الحاكم الأكبر أن يتتبع إن كان الناس يتناولون الخمر فى بيوتهم أم لا أو ماهى طبيعة الخطايا التى يرتكبونها وحتى لو فعل وعثر على جرم فإن القانون لايعطيه الحق فى أن يعفو عن الناس إذا ما تعهدوا بعدم العودة إلى ما اقترفوا هناك أساليب أخرى للعفو يحكمها الإجراء الدستورى وهى صلاحية ليست متاحة للجميع ولايمكن اليوم أن يجد حاكما أو رئيسا مواطنا فى غرزة يدخن الحشيش فيقول له المواطن لن أعود إلى هذا فيعفو عنه
وبغض النظر عن اللجاجة والقدرة على المجادلة التى تبناها هذا الشخص فى مواجهة أمير المؤمنين حين ضبطه فى هذا الوضع المخل داخل بيته فإن ما قاله لايمثل مخالفة قانونية فى العصر الحالى فى ضوء الإجراءات القانونية بمعنى أنه لايمكن الاستناد إلى آيات القرآن فى أن يذهب الناس بجرمهم إن فعلوا شيئا وفى العصر الحالى من حق جهات القانون وليس الحاكم مختصاً بهذا أن تقوم بتتبع أحوال الناس مراقبة وتجسسا إلا إذا كان لديها إذن قانونى بهذا ومن حقها أن تقتحم البيوت دون استئذان ودون تطبيق حكم الآية إن كانت النيابة العامة قد سمحت لها بذلك ولايمكن أن نطلب من الشرطة تدخل إلى معاقل المجرمين عبر الأبواب المشرعة وليس من خلال عمليات الحصار والاقتحام المعروفة لكى تكتمل الأركان ولا يهدر المجرمون الأدلة قبل أن يتم إلقاء القبض عليهم
مهام الرئيس
اختلفت العصور إذن ومع اختلافها تباينت الطرق وتعددت الأساليب وتنوعت المهام وقد كان خليفة المؤمنين عمر فى وضعية زمنية تفرض عليه أن يكون قدوة وأن يبنى النموذج وأن يضع التقاليد والأسس مع انتقال الدين من مرحلة انتشار العقيدة إلى مرحلة بناء الدولة ولكن بالتأكيد ليس على أمير الناس الآن أن يكون من بين مهامه أن يذهب خلف سور كل بيت لكى يعرف ما يدور فيه فقد تشعبت وتعددت أساليب الإدارة وزاد السكان واتسعت الأماكن وتنوعت حتى أساليب مخالفة القواعد بحيث لايقوى حاكم على أن يقوم بذلك بنفسه
هل يكون على الرئيس مثلا أن ينهى مقابلة مع أحد رؤساء الدول أو حتى يؤجلها لأنه قد جاءته إخبارية عن مواطن يسرق الدقيق فى أحد المخابز فيتنكر ويسير بين الطرقات إلى أن يصل لمكان الواقعة ومن ثم يضبط هذا الشخص ويقيم عليه الحد؟ بالتأكيد هذا كلام خيالى غير أنه كان يحدث فيما مضى من زمن وهل يكون على الرئيس أى رئيس أن يسير بين الناس مثله مثلهم يترجل ويراه رسل الملوك فى فقر مدقع؟ من المؤكد أن هذا غير مقبول اليوم بل إن الرئيس أى رئيس حين يقوم بذلك فإنه يعرض أمن البلد للخطر لأنه يعرض أمنه الشخصى للتهديد وحين يتعرض هو للتهديد فإن استقرار البلد يتعرض بدوره للاهتزاز ويكون مخلا بمسئولياته لو أنه فعل
وقد أوقف سيدنا عمر تطبيق الحد على السارقين فى عام الرمادة حين تدهورت أحوال الناس وعانوا من أزمة اقتصادية بمقاييس العصر «وقد كان تطبيق الحد هو قطع يد السارق» أمر مثل هذا لايمكن أن يحدث اليوم وإلا كانت فوضى بمعنى أنه لايمكن تعطيل عقوبة السرقة لأن الناس تعانى من الضائقة والفقر ليس مبررا لأن يقوم الناس بارتكاب الجريمة ولو طبق هذا المبدأ اليوم فإنه يعنى أن يعم الارتباك حياة الأمة وأن يجدها اللصوص حجة لكى يعيثوا فى الأرض فسادا بحجة أنهم لا يجدون ما يأكلون أو ما يسد الاحتياج وفقا لمقاييس ذلك الاحتياج
إن عدد السكان فى عصر خليفة المؤمنين لم يكن يناظر أعداد السكان اليوم ولا أعتقد أن الولايات الإسلامية برمتها كان إحصاؤها يماثل دولة إسلامية متوسطة الحجم من تلك الموجودة اليوم كما أن الجرائم التى كانت ترتكب فى تلك العصور تعتبر ساذجة بمقاييس الجرائم التى تقع الآن والتعقيدات فى شئون الحياة العامة أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه بحيث صار تنظيم الدول يتطلب قدراً هائلاً من التعقيدات الموازية التى تدير شئون الناس بحكمة مختلفة عما كانت عليهالناقة والعصر
وإذا ما عدنا إلى مقولة سيدنا عمر حول الناقة التى يمكن أن تعثر فى العراق ويكون هو مسئولا عنها حسبما قال رضى الله عنه ورددها هذا الشاب فى واقعة رئيس الورزاء ولايتوانى خطباء المساجد عن أن يرددوها فى كل يوم جمعة وغيره ويقولون رضى الله عنك يا خليفة رسول الله ص عدلت فرضيت وأرضيت وآمنت ياعمر فإن علينا أن نمعن النظر فى المسألة بمزيد من التدقيق حتى لا نلهث وراء أحلام بعيدة بل ومستحيلة ونكون كمن يطارد سرابا لن يأتى أبدا
ذلك أن سيدنا عمر نفسه قد عدل خير عدل ولكنه لم يأمن إذ اغتيل فى نهاية حكمه متعرضا لمؤامرة شهيرة ولم يعد العدل هو الضمانة التى على أساسها يمكن أن يأمن أى حاكم أن التزم بالعدل ففى العصر الحالى توجد أمور عديدة يمكن أن تجعل الحاكم غير آمن أيا ما كان مستوى نزاهته وشفافيته إذ هناك مؤامرات الدول والإرهاب والأهم أن تعقيدات الحياة يمكن أن تدفعهم إلى أن يقوموا بما لا يمكن توقعه ضد أى مشهور فما بالك بحاكم
ثم إن الدساتير والقوانين توزع الآن المسئوليات على عناصر الإدارة وأطرافها بحيث إنه لم يعد ممكنا للعقل أن يقبل أن يكون الحاكم رئيساً أو ملكاً أو سلطاناً أيا ما كان نظام الحكم أن يقبل فكرة أن هذا الحاكم مسئول بنفسه عن عثرة ناقة أو حمار أو حادث سيارة وقع فى بقعة نائية أو حتى فى مكان ملاصق لمقر حكمه إذ أن الحاكم له مهام محددة تشمل الخطوط الرئيسية لرسم السياسات العامة والقرارات الكبيرة والمناهج العريضة غير التفصيلية فى حين أن هناك أطرافاً أخرى حدد لها القانون مهامها بقدر تنوعها وتدرجها
إن الحاكم الذى يكون مسئولا عن كل شىء ليس فقط حاكماً خارج قدرة احتمال المنطق ولكنه أيضا يكون حاكما غير مقبول بالمقاييس الديمقراطية الحديثة ويعتبر ديكتاتورا نافيا لكل قيم الشراكة والتشارك فى الإدارة وتحمل مسئوليات الحكم ويجعل الأمة كلها غير متحملة للمسئولية فى أى من مهامها طالما أن هناك فرداً واحداً سوف ينال كل الحساب أو كل الثواب ناهيك عن أنه نموذج مستحيل يعنى ترديد الحديث عنه أننا نريد أن نذهب بعقول الناس فى غياهب بعيدة وغير ممكنة
توزيع المسئوليات
أنا هنا لا أريد أن أخلى مسئولية الحكام عن عديد من المشكلات وإبعادهم عن نطاق المسئوليات ولكنى أريد أن أسجل مجموعة من الملاحظات التى تستوجب الانتباه ونحن نقارن بين هذه الترديدات التى تعود بنا قرنا إلى الوراء وبين واقعنا اليوم
فمن ناحية لايمكن الوثوق بأن مقولة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب حول مسئوليته عن الناقة التى يمكن أن تعثر فى العراق قد طبقت بخلاف كونه رضى الله عنه قد أعلن ما فيها من مبدأ يريد أن يطبقه على نفسه وبغض النظر عن المقارنة مع العصر الحالى فإن سيدنا عمر لم تكن لديه الأدوات الكافية لكى يحيط ويلم بأحوال كل العباد فى جميع أسقاع الولايات الإسلامية التى كان يديرها ومن ثم أفهم أن ما قال رضى الله عنه كان يقصد به إرساء المبدأ قبل أن يكون هدفه هو التطبيق العملى لذلك المنطق
ومن ناحية ثانية فإن العصر الحديث قد أدى إلى نشوء أنظمة تتوزع فيها المهام ما بين السلطة المركزية والسلطات المحلية المختلفة وبحيث يكون لكل منها مهامه كل بقدره وفى كثير من الدول التى تتبع النظام الفيدرالى لا يكون للحاكم تدخل فى شئون الولايات الخاصة كما هو الحال مثلا فى الولايات المتحدة كما أننا فى مصر نسعى إلى أن تكون هناك أعباء أقل على السلطة المركزية ونحاول فك الاشتباك العتيد بين المركزية وزيادة مهام السلطات المحلية لأن الناس فى المحافظات تعانى من انشغال السلطة المركزية بعيدا عن تفصيلات حياتها
ومن ناحية ثالثة فإن سيدنا عمر تحدث عن أن الله هو الذى سوف يحاسبه عن تلك الناقة التى يمكن أن تكون قد عثرت فى العراق فى حين أننا لايمكن أن نقبل اليوم بحاكم يكون حسابه عند الله وحده هذه مسألة تخصه بينه وبين الله ولكن فى العصر الحديث لا يكون مطلوبا منا انتظار أن يعاقب الحاكم من السماء وإنما نحن نحاسبه بأساليب مختلفة من بينها التصويت فى الانتخابات فمن لم يفلح كان أن واجهه التصويت المضاد وكان أن روجع من مجلس الشعب ومن مختلف آليات المحاسبة العصرية
وبالمثل، فإن الطالب الذى قال لرئيس الوزراء أنه بكى حين وقع حادث العبارة فهل بكى رئيس الوزراء؟ إنما كان يسأل عن تعاطف لاينبغى أن يكون هو فقط المطلوب فى مثل تلك الكوارث الكبرى إذ ما الذى سوف يفيدنا لو أنه بكى تعاطفا وتأجل مثلا الحساب القانونى لمن ارتكب الجرم الأكبر فى الواقعة تلك أو غيرها إن ظهور المسئولين البكاة الدامعين على الشاشات التى لم تكن موجودة على أى حال فى عصر سيدنا عمر لن يكون كافيا لإعفائهم من المسئولية
وبالتالى فإن الشاب كان يبحث عن معنى ليس هو المقبول فى عصر حديث يسود فيه القانون وإن كنت أجد فى هذا الحديث فرصة مناسبة لكى أشير إلى أن الطريقة التى أديرت بها عملية المحاسبة فى كارثة العبارة مازالت تجد لدى الناس بشكل عام أصداء غير إيجابية وحتى بعد أن دارت عجلة القانون وصدر الحكم ضد صاحب العبارة فإنهم لايقتنعون بأن ما جرى كان كافيا بالشكل الملائم
إن ثقافتنا العامة، تلك التى يعبث بها بعض خطباء المنابر، والذين يقودون الناس إلى عصور غابرة لن تعود، تحتاج إلى مزيد من الانضاج والتوعية، وإفهام الرأى العام أن هذا النموذج الذى يسوق بينهم على أنه خلاصة العدل والأمان والاستقرار إذا ما طبقنا الحكم على طريقة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب هو نموذج بعيد وغير قابل للتطبيق العصرى بل إن تطبيقه قد يكون مشكلة كبيرة لأنه لا يتواءم إطلاقا مع متغيرات العصر وتعقيدات المجتمعات
20 يوليو, 2009
شرعيه النظام الجمهورى ..وليس شرعيه يوليو
مقال عبدالله كمال المنشور فى مجله روزاليوسف بتاريخ 16 يوليو 2009
====================================
عدة اسباب تدفعنى الى تناول هذا الموضوع .اولا السبب الزمنى .. فذكرى ثورة يوليو تحل بعد ايام ..كل سنه وانت طيب .
وثانيا انعقاد مؤتمر حركه عدم الانحياز قبل ايام فى شرم الشيخ ..الحركه من نتاج الجهد المصرى فى عهد يوليو (الاول) ..وشرم الشيخ ثمره يانعه لعهد يوليو (الثالث) ..تغيرت الحركه بتغير العالم ..وسوف تبقى المدينه مناره مصريه جديده ..رغم كل تغيير .
والسبب الثالث هو حديث الشرعيه والثوره، الذى يتكرر من حين الى اخر مع مرور ذكرى الثوره المجيده .
والسبب الرابع هو نتاج السبب الثالث ..ذلك ان حديث الشرعيه غالبا مايتعمد فيه البعض كثير من الخلط والاجتراء على الحقائق ..وتشويه الاسس وتلبيس القبعات كما الحواه.
والسبب الخامس هو ان مصر لم تزل تعانى من سياسات انتجها عهد يوليو (الاول) ..سياسات ليس لها علاقه باهداف يوليو ..فالثوره تختلف عن العهد.
والسادس هو ايمان البعض بان الشرعيه الثوريه يمكن ان تمتد الى مابعد قيام الثوره بعقود .. كما فى ايران حيث من يؤمن حتى اللحظه بان الثوره الاسلاميه يجب ان تبقى الى الابد ..بعد ان مضى على اندلاعها 30 عاما .
# المبرر والهدف
بصوره او اخرى ، يصر البعض على ان يماهى بين مبررات قيام الثوره ..واهدافها ..والشرعيه التى انتجتها ..وبرنامج الحكم الذى اتبعته حقبه الرئيس عبدالناصر ..بل والعقد الاجتماعى الذى ينظم العلاقه بين المواطنين والدوله ..وعلى اساس هذا التماهى تذوب فوارق لايمكن ان تتلاشى ..وتنبنى نتائج لايجوز التسليم بها ..واهمها ترديد مقوله (افاقه) ترى ان (الحكم الحالى) انقطعت الصله بينه وبين شرعيه يوليو .
قامت الثوره لاسباب معروفه ، اهمها الرغبه (المجتمعيه) العارمه فى التخلص من سلبيات نظام لم يحقق متطلبات الناس ..واهم متطلب كان هو التحرر من الاحتلال ..ويليه تحقيق العداله الاجتماعيه .. والتخلص من الاقطاع..وايضا من الحياه السياسيه المرتبكه ..مختله القواعد..وكونها قد قامت بفعل فصسل من ضباط مصر ..فان هذا لاينفى انها كانت نابعه من رغبه شعبيه .
ويمكن القول ان تلبيه المتطلب الاول ، باى وسيله ، على الاقل من وجهه نظرى ، كان يمكن ان تنفى الحاجه الى تحرك ثورى يؤدى الى تحقيق الاهداف الاخرى ..بل لو كان النظام الملكى قد استطاع ان يحقق التحرر من الاحتلال البريطانى ..لتجددت شرعيته وحصل على دفعه اقوى كان يمكن ان تبقيه فتره اطول من الزمن .. بدليل ان (الضباط الاحرار) لم يسعوا من البدايه الى تغيير النظام الملكى ..وانما فقط تغيير الملك فاروق وتوليه ولى عهده تحت وصايه ..لكن الثابت تاريخيا ان الملك تحول الى لعبه فى يد الانجليز ..ولم يكن قادرا على ان يعبر عن قياده حقيقيه للبلد ..بغض النظر عن شرعيته وقتها .
ذلك ان الشرعيه ليست فقط وثيقه ورقيه مكتوبه ..ولكنها تحتاج الى تفعيل ..وتجسيد على ارض الواقع ..والملك لم يكن معبرا حتى عن الوثائق المكتوبه ..فسقط قبل ان تخلعه تحركات يوليو ..وقد كانت المطالبات القائمه حتى لحظه اندلاع الثوره تريد العوده الى دستور 1923 ..دره تاج نضال وتفاعلات المجتمع المصرى فى العهد الملكى ..بغض النظر عن ان الدستور الحالى لايقارن فى عصريته بما كان عليه دستور 1923.
وبغض النظر عما اذا كان صناع الثوره كانوا ينتون من اللحظه الاولى اسقاط الملكيه ام ان هذا هدف نشا بعد ان سيطروا على المقدرات بمضى الوقت ، فان يوليو 1952 قد انتجت شرعيه جديده مكتوبه ..عدلت فيها بنود العقد بين الدوله وبين الناس ..حيث اصبح منصوصا فيه على (النظام الجمهورى) ...وبذلك انتهى عصر اسره محمد على .
# الدوله والنظام
وهناك فرق بين الدوله ونظام الحكم ..الدوله المصريه قائمه منذ عهد مينا موحد القطرين ..شعب واحد على ارض ثابته الحدود منذ حقب وقرون ..تبدلت خلالها نظم الحكم ..وتغيرت البنود فى العقد الاجتماعى بين تلك الدوله وهذا الشعب ..لكن تبدل البنود لايعنى سقوط الدوله ..ومن ثم يمكن ان نفهم لماذا يصطلح المؤرخون على تحديد فتره الدوله المصريه الحديثه بدءا من عهد محمد على عام 1805..والممتده الى الان ..رغم تبدل نظامين ..الثانى منهما هو الذى انتجته ثوره يوليو وهو (الجمهورى).
والشرعيه الجديده لم تنته بغياب صناعها الاوائل ..الضباط الاحرار ابطال تاريخيون ..الشرعيه مرتبطه بنتاج ماقدموا ..وليس ببقائهم ..والثوره الفرنسيه مثلا لم يبق صناعها على قيد الحياه ..ولكن الجمهوريه التى اسسوها هى التى بقيت ..وقد تطورت وتبدلت ملامحها ولكن قيمها الاساسيه كما هى ..وغياب الثوريين من الحياه السياسيه لم ينه شرعيه الحكم الحالى فى فرنسا .
وبالتالى فان سقوط البرنامج السياسى للضباط الاحرار فى هزيمه 1967 لم يكن يعنى لاسقوط الدوله ولاسقوط الشرعيه التى هم صنعوها (تاريخيا) ..لان النظام الجمهورى باق ..والهزيمه لم تؤد الى تغييره ..وبهذا المقياس لابد ان نفرق بين الشرعيه الجمهوريه ..ومكانه (السياسى) الذى يقود الجمهوريه ..ايا ماكان ..حتى لو كان هو الذى قاد تاسيسها التاريخى .
هنا اعود الى تفرقه طالما حرصت على التاكيد عليها ..يعود الى الخلط بين مفرداتها ذلك الخلط بين امور كثيره ..والتعامل معها ..ف(الدوله) كيان ثابت انتجه الواقع وعبر عنه الفكر السياسى (شعب – ارض – وحكم)..و(النظام) هو مجموعه القواعد القانونيه والمؤسسات التى تعبر عن علاقات التفاعل بين القوى المختلفه والمواطنين فى الدوله ..و(الحكومه او الاداره) هى المنوط بها تطبيق وتنفيذ القواعد .
الدوله ثابته (الا اذا كانت توسعيه او متحلله ..تتمدد جغرافيا على حساب شعوب اخرى وفى اراض غيرها ..او تتقلص بفعل التفكك او الاحتلال)..والنظام له صفتين ..الثبات والتطور ..حسب رغبه الشعب واهدافه ووفقا لاستخدامه لالياته فى انتاج التطوير ..والحكومه متغيره وفقا لقواعد النظام الثابته ..اوالمتطوره .
وحين جائت يوليو فانها غيرت النظام برمته ..الثورات هى التى تحدث هذا التغيير القسرى الشامل فى لحظه تاريخيه بعينها ..وحدوث التغيير لايعنى استمرار الثوره ..بل يمكن القول ان الثورات تنتهى بمجرد حدوثها ..وان امتدت اثارها ..واما الشرعيه الثوريه فهى الاليه التى تعطى الحق المؤقت وبمسانده الناس ،او بدونها ، لمن قام بالثوره فى ان يقوم باجراء التغيير بدون اللجوء للاليات المعتاده ..ان كانت ديموقراطيه او غير ذلك .
# الشرعيه الثوريه
اصرار الثوار على استعمل تعبير الشرعيه الثوريه – فى هذا السياق – هو نوع من الاستمراء من الثوارعلى تجاوز القواعد فى اداره شئون الدوله ..ليس لهم حق فيه ..ومن ثم عرفت كثير من ثورات العالم مراحل تاليه من الفوران الذى يخص الحكومات اكثر من كونه يخص الشعوب ..فالشعوب تميل الى الاستقرار ..وقد برر هذا الفوران – غير الضرورى تاريخيا – بغطاء الشرعيه الثوريه ومواجهه اعداء الثوره ..ومن ثم تفسير الانفلات السياسى و التمرد غير القانونى المستمر على قواعد التفاعل المستقر .
ولذا فاننى افرق مابين البرنامج الذى تعلنه الثوره ..اى ثوره ..ويفترض فيه ان يتحقق بفعل الدفقه الثوريه فى اسرع وقت ..وبين برنامج السياسى الذى سوف يحكم بعد تحقيق اهداف الثوره ..فهو قد يتعمد الخلط مابين برنامجه الذى يحكم به وبين برنامج واهداف الثوره لكى يعطى دفعه اكبر لنفسه ولطموحاته وبرنامجه.
وصول الشعب الى نقطه الاستقرار الاولى بعد الثوره يعنى عمليا ان الثوره فى حد ذاتها قد انتهت تاريخيا ..وان امتدت اثارها ..واثار نتائج ماقد بداته ..الشعوب فى كل الاحول تثور لفتره وجيزه..ولااريد ان اقول لومضه وقتيه ..ثم تهدأ ..وكون ان بعض الحكام يعلنون ان الثوره باقيه فان هذا لايعنى انها قائمه .
وهكذا فان تغيير نظام الشاه فى ايران واعلان الجمهوريه الاسلاميه يعنى انتهاء الفعل الثورى الشعبى بمجرد تاسيس تلك الجمهوريه ..التغييرات التى تلت ذلك استفادت من تلك الدفقه الثوريه ..لكنها لاتعنى ان الثوره مستمره ..حتى لو قال الملالى انها لم تزل قائمه .. اذ لايوجد فعل ثورى يستمر 30 عاما .
وحين ترك الملك الحكم ..ثم تغير النظام الملكى الى الجمهورى فى مصر ..انتهى الزمن الثورى ..مابعد ذلك هو نتائج ..حتى لو تكن مجموعه ضباط يوليو قد اقرت بذلك ..وحين حكم الرئيس عبدالناصر ..ومضى ينفذ برنامجه فان افكاره ورؤاه كانت له ولمن معه ..وليس لثوره الشعب ..حتى لو كان برنامجه نابعا من منطلقات الثوره و استندت الى دفقتها التاريخيه الاولى ..لقد كان عبدالناصر وقتها زعيما تاريخيا للثوره ..ولكنه عمليا وشرعيا رئيسا للجمهوريه
# الرئيس والثورى
الرئيس ، وقتها ، احتاج ان يعطى نفسه غطاءا اعرض ودفعه اكبر ، تجعله قادرا على ان يتجاوز المسئوليه والمحاسبه الشعبيه ، فاصبغ الثورى على الرئيس ..وبالتالى فان الذى سقط فى 1967 هو الرئيس وبرنامجه ..وليس الثوره ..والذى هزم هو الرئيس وقادته ..لكن الجيش نفسه باعتباره مؤسسه مصريه عريقه نشات بنشوء الدوله بقى ..واستعاد عافيته حين تبدلت قيادته .
الجيش المصرى لم ينشأ فى 1952.. قاده الجيش الذين صنعوا الثوره هم الذين هزموا فى حرب 1948 وان كانت الثوره قد اعطتهم دفعه تاريخيه كبيره ..وقد حصل الجيش بعد ذلك على دفعات هائله ،اكبر مما ناله من ثوره يوليو ..بل اصبح اكثر عصريه وتنظيما واحترافا ..ولم يكن ذلك نابعا من ثوره وانما من قدره وفعاليه النظام الجمهورى الحر ..وفى ذات الوقت فان الجيش لم يولد من عدم فى 1973 ..وان كان هذا النصر العظيم قد اعطاه مجدا لاينسى ..غسل به عار الهزيمه التى الحقت به فى 1967.
وهكذا فان التاميم – على سبيل المثال – لم يكن بندا فى برنامج الثوره ..ولكنه بند تاريخى فى برنامج رئيس ..له طبيعه جريئه ترقى به الى ان نضفى عليه صفه الثوريه ..ولكنه ليس ثوره ..وتصدير الدعوه الى التحرر اقليميا وعالميا لم يكن فى بنود اهداف الثوره ..ولكنها سياسه اتبعها الرئيس عبدالناصر لاكتساب الانصار خارجيا ..فى مواجهه تحديات متنوعه ..وتاسيس حركه عدم الانحياز بصورتها السابقه لم تكن بين عناصر برنامج الثوره ..ولكنها تحرك دبلوماسى يتسق مع ظروف العصر ومحاوله الحشد الدولى فى مواجهه معادلات النظام العالمى وقتها ..وتبنى نهج العروبه القومى والوحدويه لم يكن كذلك من بين اهداف الثوره ..ولكنه برنامج سياسى للرئيس يتوازى مع توجهات تصدير التحرر..وبناء العمق الاقليمى للدوله .
اقول هذا وانا ادرك ان هذه السياسه العربيه كان لها الفضل الاول فى تاسيس عناصر نظريه الامن القومى المصرى الحديثه ..كون ان تلك النظريه نتجت عن سياسه رئيس لاينفى عنها شرعيتها وصلاحيتها ..ولكنها لم تكن نتاج الشرعيه الثوريه ..وان وصفت بذلك ..وفيما بعد فان تلك النظريه تطورت بفعل المتغيرات العالميه ..تطورت بالاضافه وليس بالخصم .
# الشرعيه الدستوريه
خلاصه القول فى هذه النقطه اننى افرق بين الثوره وشرعيه ماحققته ..وبين برنامج الرئيس عبدالناصر ..بين الشرعيه الثوريه والشرعيه الدستوريه .
الشرعيه الدستوريه هى التى نتجت بعد ميلاد النظام الجمهورى وبناء على وثائق الدستور ..التى طرات عليها تعديلات متنوعه ..لم تكن تحظى بالترويج الكافى فى الخمسينات والستينات لان صوت المتحدثين باسم الشرعيه الثوريه اعلى ..وقد ترسخت تلك الشرعيه الدستوريه بمضى الوقت ..ومع ابتعاد المساحه الزمنيه التى تفصلنا عن تاريخ الفعل الثورى فى عام 1952 ..وصولا الى دستور 1970 ..ثم التعديلات الدستوريه فى 2005 و2007 .
التعديلات المتلاحقه ، خصوصا الاخيرين ،على الدستور ، احدثا تغييرا جوهريا فى شكل وبنيه النظام ، لكن قاعدته الاساسيه التى انتجتها يوليو ثابته ..وهى ان (نظام الدوله رئاسى جمهورى) ..وهذه هى لبنه الشرعيه الاساسيه ..الممتده من 1952 ..بغض النظر عما اذا كان توالى الحقب يقودنا من مرحله الى اخرى الى (اداره حكم) اقل عسكريه واكثر مدنيه ..وسواء كان ابرز العاملين بالسياسه فى الحياه العامه هم من الضباط الاحرار ..او من التكنوقراط ..او من مؤسسه الجامعه ..او مؤسسه الاعمال ..او المؤسسه الحزبيه .
ويميل البعض الى ان يقول ان الرئيس عبدالناصر كان يعتمد فى حكمه على شرعيه يوليو ..وان الرئيس السادات اعتمد فى حكمه على شرعيه اكتوبر ..وهجر شرعيه يوليو ..وهذا كلام قد يراد به باطل وليس فيه حق من الاصل ..السادات لم يتخل عن شرعيه يوليو ..لانه لم يبدل النظام الجمهورى ..ولو قبلنا هذا المعنى – وهو غير صحيح – فان الرئيس السادات يكون قد حكم ثلاث سنوات بدون شرعيه حتى حقق النصر فى 1973 ..وايضا يكون الرئيس عبدالناصر قد حكم ثلاث سنوات بدون شرعيه بعد 1967 بعد ان منى بالهزيمه .
الشرعيه لم تنقطع فى الحالتين ..كما ان الرئيس مبارك هو رئيس شرعى رغم انه لم يكن من ضباط يوليو ..الشرعيه لاتبينها الصفه السابقه على تولى منصب الرئيس ..الشرعيه تنتجها عمليه الانتقال الدستورى ..عبر اليات الدستور ..وقواعد النظام ..وللقواعد والاليات شروط يجب توافرها فيمن يحكم .
# المكانه والشرعيه
الرئيس محمد نجيب لم يكن اكثر شرعيه لانه كان بدرجه لواء ..كما ان الرئيس عبدالناصر لم يكن اقل شرعيه منه لانه كان مجرد بكباشى ..والرئيس السادات لم يكن منقوص الشرعيه لانه لم يكن عسكريا محترفا بالمعنى المفهوم او ينتمى الى سلاح الاشاره ..والرئيس مبارك لم تنتج شرعيته من كونه بطل حرب اكتوبر ..باعتباره صنع و قاد الضربه الجويه وحقق النصر قبل بقيه الاسلحه ..وانما لانه انتخب ..وقد انتخب على اساس مجمع صفاته ..وابرزها – واهمها وقتها بخلاف مابناه فيما بعد - انه بطل حرب عظيم ..وبطولته صنعت مكانته التاريخيه الاجماليه وليس شرعيته الدستوريه .
المكانه تصنعها الافعال ، والشرعيه يصنعها الاجراء القانونى ، الرئيس عبدالناصر صنع مكانته من عده افعال تاريخيه ..تختلف او تتفق معها جميعا او كلها ..ومنها : التاميم وابرزه تاميم قناه السويس – الاصلاح الزراعى – مجانيه التعليم – وبناء الجيش ..هذه المكانه لاينفيها كونه خاض عده حروب وخرج منها منهزما ..فهو لم ينتصر مع رفاقه فى 1948 ، والنصر الذى تحقق فى 1956 كان سياسيا فى اجماله ، وحرب اليمن كلنا نعرف محصلتها ، وحرب 1967 هزيمه لاتنكر .
الرئيس السادات صنع مكانته بخمسه افعال تاريخيه رئيسيه ..نصر اكتوبر ، والتحول الاقتصادى الى الانفتاح فى 1974 ، وتاسيسه للتعدديه الحزبيه ، وتوقيع اتفاقيه السلام مع اسرائيل ..فضلا عن تخليه عن التحالف مع الاتحاد السوفيتى ..وكونه كان شريكا لنظام حكم عبدالناصر واحد اركانه غير البارزين لاينفى مكانته التى صنعها بنفسه .
الرئيس مبارك ، اشاد مكانته على القاعده الاهم التى لم يسبقه اليها حاكم فى الدوله المصريه الحديثه منذ عام 1882 ..وهى تحرير كامل التراب الوطنى للدوله من اى احتلال ..كل حكام الاسره العلويه من عهد الخديو توفيق كانوا حكاما تحت احتلال ..وارض مصر كانت محتله فى عصر عبدالناصر على الاقل ست سنوات(سنتين قبل الجلاء – اشهر فى 1956 – ثلاث سنوات فيما بعد 1967).
وبخلاف ذلك فان مبارك له مجموعه من الافعال التاريخيه غير المسبوقه ..منها الممتد ومنها الذى عرفته لحظات تاريخيه فارقه : الحفاظ على السلام – بناء النهضه والانتقال بالدوله الى عصر التحديث وبما فى ذلك اعاده تاسيس البنيه الاساسيه – التغلب على الارهاب – بناء القوه الاقليميه المصريه متكامله العناصر – اعادة مصر الى المحيط العربى – اسقاط الديون الخارجيه التى اثقلت كاهل الدوله من زمن الحروب – الدخول بالرئيس عرفات الى غزه حيث تاسس الحكم الذاتى الفلسطينى – التعديلات الدستوريه التى جعلت الرئيس ينتخب من بين اكثر من مرشح عبر الاقتراع الحر المباشر وهو امر لم يحدث منذ عصر مينا موحد القطرين – تنميه الحياه الحزبيه والديموقراطيه – عدم وقوف الدوله فى موقف الخصومه القسريه من اى مختلف سلمى ..واللجوء الى الوسائل القانونيه فى كل الاحوال – ترسيه دوله المؤسسات ..وهذه الاخيره بالتحديد لم تكن معروفه فى عصرى السادات وعبدالناصر.
وهناك بالطبع عناصر اخرى فى مقومات مكانه كل رئيس ..خصوصا مبارك ..وبينما يصنع الرؤساء مكانتهم ..كل فى عصره ..فان ايا منهم لم يفقد شرعيته ..وبالتالى لايمكن حساب الشرعيه وفق قياس مدى اقتراب وابتعاد اى رئيس عن البرنامج السياسى لسلفه ..او عن الاهداف المعلنه لثوره يوليو ..التى كان من بين اهدافها بناء حياه ديموقراطيه سليمه ..وهو مالم يقم به الرئيس عبدالناصر ..ومضى نحوه لبعض الوقت الرئيس السادات ..وثابر عليه الرئيس مبارك ..مع الوضع فى الاعتبار ان هناك معارضين يرون الحياه السياسيه لم تصل الى ديموقراطيتها المبتغاه .
# البرنامج والشرعيه
الشعب حين ساند ثوره يوليو ، لم يقل للضباط الاحرار ان نجاح الثوره يقتضى اللجوء الى تحالف عميق مع الاتحاد السوفيتى..هذا فعل سياسى ..وليس ثورى ..ولم يقل لهم ان الثوره لن تحقق اهدافها الا من خلال نظام الحزب الواحد ..هذا اختيار سياسى ..
كما ان السادات لم ينقلب على الثوره حين لجأ الى صداقه الولايات المتحده ..وهو لم ينقلب على شرعيه يوليو حين اطاح بمراكز قوى عصر عبدالناصر ..والرئيس مبارك لم يكن يقصد ان يكون امتدادا لعصر السادات حين بقى بعض رموز عصر الرئيس الراحل فى الحياه العامه بعد ان ترك الحكم ..فهم يمارسون دورهم او انتهوا منه وفق قواعد التفاعل الطبيعى لاالقسرى ..ولم يكن لجوئه الى علاقات متنوعه وواسعه مع كافه دول العالم وبما فى ذلك روسيا والولايات المتحده مناقضا لشرعيه الثوره التى كانت فى 1952 ..ولكن تلك كانت طريقته الناجحه فى الحفاظ على مصالح الدوله وتحقيقها .
الحفاظ على الاطار الجمهورى للدوله يختلف عن البرنامج السياسى المطبق فى كل عصر ..ويختلف ايضا مع طبيعه البرنامج الاجتماعى المتبع فى كل عهد ..لقد انهى الرئيس عبدالناصر الاقطاع ..ولكن تطبيق البرنامج الاشتراكى المسمى مصريا وقتها بالناصريه لم يكن له علاقه باهداف الثوره ..واذا كان العدل الاجتماعى احد الاهداف التى سعت اليها الثوره فانه لو لجا الرئيس عبدالناصر الى نظام اقتصادى مختلف ماكان احدا قد قال له ان هذا يناقض الاهداف الثوريه .
لقد اختار طريقا ..وادى هذا الطريق الى ترضيه قطاعات معينه من الناس ..اتسعت او ضاقت .. وحتى الان فاننا ندفع ثمن هذه الترضيه الاجتماعيه واسعه النطاق ..ماادى الى نشوء البطاله المقنعه وجهاز الدوله الادارى المترهل ..وكون ان اختياره قد ادى الى ان يحظى بمسانده واسعه من قطاعات مستفيده فى المجتمع ..فان هذا لاينفى على الاطلاق ان عدم تمكن الرئيس السادات من تحقيق تحول اجتماعى واسع انه كان رئيسا بلا مسانده .
وفى العصر الحالى الذى لم يزل يعالج النتائج السلبيه لسياسات الترضيه فى الستينات ، والتخبط والارتباك الاقتصادى فى السبعينات ، فان السعى المتواصل لتنميه الطبقه المتوسطه لاينفيه كون الدوله تعترف بارتفاع نسبه الفقر الى 20% ..واعلانها اتباع برامج للتغلب عليها واستهداف الفقر باساليب مختلفه ..وكونها – الدوله الحاليه – مضت قدما فى البدايه لصالح تحقيق نمو نوعى اغلبه مدفون فى باطن الارض ..حيث البنيه الاساسيه ..لايعنى انها لم تلبى احتياجات الشعب ..ان مقارنه صوره المصرى الان ..بما كان عليه قبل 1952 ..وحتى بما كان عليه فى مابعدها ..وفى السبعينات سوف يظهر فروقا جوهريه وتاريخيه تعنى ان ماتحقق فى الثلاثين عاما الماضيه كان ثوره صامته ولكن بدون فعل ثورى .
# الاغانى والشرعيه
لم يغنى احدا لمترو الانفاق ..رغم ان ماشيد فيه تجاوز عشرات المرات ماجرى فى السد العالى ..وقد تم التغنى للثوره التى كان (يفوت عليها فتخضر) فى الستينات ..فى حين ان مساحات الاستصلاح والاراضى الجديده فاقت فى العشرين عاما الماضيه عشرات المرات ماحققته سنوات تاليه لعام 1952 ..
وقد كان الاعلام يغنى للمغامرات الخارجيه ..التى انتهت بهزائم وخسائر وديون ..ولكن احدا لم ينشد للاستقرار وعدم خوض المغامرات وابقاء جيش مصر فى ارضها يدافع عن حدودها ويحمى شرعيتها الدستوريه ..
وقد تم تاليف كتب وابتدعت اعمالا سينمائيه من اجل مشروع مديريه التحرير ..لكن الدعايه الكافيه لم تجسد حجم النمو الهائل فى عدد المدن الجديده وشبكه الطرق التى تفوق حصرا اضعافا مضاعفه ماتم فى مديريه التحريربمراحل .
ان الاغانى قد تحقق رواجا سياسيا ..لكنها لاتؤكد المكانه عبر التاريخ ..والافلام قد تضلل الناس حينا ..ولكن الحقائق هى التى تصنع الواقع وتجسده ..وتجاهل الهزائم واكسابه ثوب النصر او صفات النكسه قد يخدع الناس لبعض الوقت ..ولكن النصر والاستقلال هو الذى يبنى تحرر الدوله الحقيقى لا المصطنع ..والثوره صنعت الشرعيه الدستوريه ..ولكن البرامج السياسيه لكل رئيس تختلف جوهريا عن تلك الشرعيه..وهذا كلام يجب ان يقال فى ذكرى ثوره يوليو حيث نشهد العديد من عمليات الخلط المتعمده فى المفاهيم والحقائق اليقينيه .
21 فبراير, 2009
مصر تتغير من جديد
المقال الافتتاحى لمجله روزاليوسف
بتاريخ 21 فبراير 2009
===============================================================
بقلم : عبدالله كمال
www.abkamal.net
فى الفترة ما بين فبراير 2005 حتى نهاية العام الماضى (2008)، كانت مصر قد تغيرت كثيرا عما قبل ذلك، تلك الفترة التى بدأت بالإعلان عن التعديل الدستورى الأول والأهم والتاريخى ..الذى جعل اختيار الرئيس عبر (الانتخاب الحر المباشر) بين أكثر من مرشح .. منهيا عصر الاستفتاء .. فى تعديل - لو كان البعض قد نسى - هو الأول من نوعه وتأثيره وشكله ومضمونه منذ أسس مينا الدولة المصرية الموحدة.
تغيرت مصر بتعديلات قانونية متنوعة، أسست لها تعديلات دستورية تلت التعديل الأول، هى الأكبر والأضخم منذ عام 1971، وشهدت حراكا سياسيا أخذ شكلا قاسيا حينا وساخنا غالبا، واختبرت قدرة الدولة وقوتها، وظهرت على الساحة قوى جديدة وتيارات متنوعة، واستقوت قوى كلاسيكية وتخيلت أنها ستكون قادرة على أن تختطف ثمرة الإصلاح .. وعرفت مصر صورا متنوعة من التفاعل الديموقراطى، الذى كاد يقود إلى الفوضى فى أوقات مختلفة .. لولا حماية الله ويقظة إدارة الحراك.
ولايمكن القول أن تلك الفترة الصاخبة، التى دعت البعض للقلق على مستقبل البلد فى أوقات كثيرة، إذ لم يكونوا مطمئنين إلى ثباتها فى مواجهة الأنواء - وبمن فى ذلك بعض المسئولين - لايمكن القول إنها قد تلاشت فجأة وانتهت فى لحظة .. وإنما هى أخذت وقتا فى التدرج إلى الانزواء .. بعد أن تركت بقايا من نتائجها وإفرازاتها .. بعضها سوف يزول بالفعل بمضى مزيد من الوقت .. وبعضها سوف يبقى لفترة طويلة ويتم البناء عليه .. خاصة التطبيق الدستورى والديموقراطى للحق فى حرية التعبير بأساليبه المختلفة.
مرحلة المولد
استفدنا دروسا، وخلصنا إلى نتائج، واستوعبنا قيما، جرب بعضنا الشتم، واختبر قدرة الحاكم على أن يتعرض لأقسى أنواع النقد وبما فى ذلك غير الموضوعى منه، بل وقليل الأدب أحيانا، ودعا البعض إلى اعتصامات وعصيانات وإضرابات، وكانت تلك مناسبات جيدة لكى يعرف الجمهور الفرق بين الديموقراطية والفوضى .. وأن الحق يقابله واجب.. وأن الناخب هو دافع ضرائب أيضا .. والأهم أن الناس فرزوا بين الأصيلين والمقلدين وبين الذين يريدون أن يخدموه وبين الذين يريدون أن يخدعوه .. بين الوطنيين والتابعين .. بين من لديهم ومن ليس عندهم أى شىء على الإطلاق سوى الكلام الفارغ والشعار التائه.
تلك كانت مرحلة (اللاسياسة)، مرحلة فتح المرجل .. واحتمال مواجهة البخار المتصاعد من كتمانه، حيث كان يعتمل على ما فيه لسنوات طويلة، مرحلة كانت تلسع المجتمع خلالها بعض المزايدات .. وكثير من الانفعالات والافتعالات .. تموجات متنوعة بلاسقف .. تختبر جدية المناخ الجديد ومصداقيته وأيضا قدرته.
وهى مرحلة قياس موازين القوى، ولا أقول تفاوض عاقل وناضج، كل فئة كانت تريد أن تحتجز لها مكانا على المائدة، وتقول أنا هنا، بغض النظر عن قوى كانت تريد عمليا الاستيلاء على المائدة كلها واحتكارها، وقد ظهرت على الساحة مجموعات من بضعة أفراد تريد أن تقيم لها وزنا وهى لاتساوى قشة، وتراجعت إلى الوراء قوى ضخمة لم يكن لها نفس التأثير بسبب ضعف الصخب الذى تحدثه .. فالصخب كان معيارا زائفا لمواقع وقيمة التيارات والفئات والمجموعات السياسية . وقد كانت تلك هى مرحلة المولد المفتوح، الذى تواجد فيه كل من هب ودب، ومورست فيه كل الألعاب، فرقع البعض (بمبا)، ونفخ البعض نارا، واستعرض البعض عضلاته، وخرج البعض فى زفة، ووزع البعض مالا، وهتف البعض مناديا على ولى غائب، وشهد المولد تحرشات .. ولصوصية .. واحتيالا.. وخديعة.. وكان فيه من تصور أن (صاحبه غايب).. أى المولد .. وكان فيه أيضا من قال إن (اللمبة على بطنها تنور) !!!
مرحلة المسرح
الآن، نحن دخلنا مرحلة المسرح الكبير .. والمفتوح .. وإن كان المولد لم ينفض بصفة نهائية .. وهناك فرق بالطبع بين المولد والمسرح .. المولد فوضى .. والمسرح له قواعد .. المولد مرتع والمسرح ميدان .. المولد مستنقع والمسرح نهر جارٍ.. المولد صخب بلا سياق .. والمسرح لابد للأوبرا فيه أن تعزف وفق نوتة منسقة . كتبت من قبل، وفى صيف 2006، عنوانا عريضا على روزاليوسف نصه (مصر اتغيرت).. ومع بدايات 2009 أكتب الآن إن مصر تتغير من جديد.. خصائصها لن تكون كسابقتها .. وستمضى إلى أفق ممايز ومناقض لما كانت عليه الأحوال .. دون أن ننفى وجود بقايا من ظواهر المرحلة السابقة.
مرحلة جديدة من التغيير .. لا أقصد بها أسماء أو تشكيلات أو قائمة وظائف ومواقع .. لا أعنى فيها تغييرا وزاريا أو صحفيا أو حزبيا أو غير ذلك من المتشابهات .. مرحلة تشهد مناخا آخر .. بعد أن أخضع الناس كل المتفاعلين على الساحة للتقييم .. مرحلة لم يسع إليها أحد.. ولكنها تفرض نفسها وفق متغيرات طرأت .. لها علاقة بالحراك المصرى .. ولها علاقة بالصراع الإقليمى .. ولها علاقة بالأوضاع الدولية الجديدة . إن أهمية تلك المرحلة فى أنها لم تنشأ تالية لقرار، أو خطوة مؤثرة ومفجرة، إنما نتجت بشكل طبيعى كمحصلة لما سبق، ولعوامل أخرى، وأمامنا على الأقل أربعة أمور بوقوعها فإنها بلورت بداية المرحلة الجديدة وتسببت فيها .. وهى كما يلى :
1- النتائج الداخلية لأزمة غزة .
2- نتائج انتخابات نادى القضاة.
3- التحول فى أداء حزب الأغلبية.
4- التغيير الحادث فى الولايات المتحدة.
5- الأزمة الاقتصادية الدولية .
وإذا كانت تلك عناوين إجمالية .. فإننى فيما يلى أشرح أسبابى بالتفصيل :
الانتباه للخطر
أظهرت أزمة غزة، كعدوان إسرائيلى وكتموجات إقليمية وكحرب سياسية وإعلامية علينا، أظهرت للرأى العام فى مصر حقيقة التحديات التى يواجهها البلد، وسط صراع إقليمى طاحن، تشابكت فيه أجندات الدول ومطامع العصابات، مع مخططات معلنة وخفية .. ما أدى إلى إحساس الناس بأن هناك خطرا حقيقيا لابد من الانتباه له .. والاحتشاد ضده. لقد بدا مصطلح (الأمن القومى المصرى) أكثر تداولا بين الفئات المختلفة من الرأى العام، أكثر من ذى قبل، وصارت هناك تساؤلات مطروحة فى عمق مفاهيم السياسة الخارجية، وتبلورت أمام الجميع خصائص الموقف .. لاسيما حين دُفعت دول عربية وأخرى دخيلة على الإقليم فى اتجاه الطعن الدامى فى جسد دور مصر.
ومن ثم فإن الاهتمام بالملف الخارجى عاد ليكون فى صدارة الانتباه العام، بعد أن كان قد تراجع، لصالح انكفاء داخلى .. أصرت عليه قوى سياسية بعينها .. ووسائل إعلام خاصة .. إلى أن وقع الانفجار الكبير فى غزة فانتبه المصريون إلى حقيقة الأخطار المحدقة من اتجاهات متنوعة .
هذه ظاهرة عريضة فى مسألة غزة، تفرعت عنها مسألة مهمة جدا .. وهى أن الأزمة أظهرت مدى مصداقية ولاء جماعات سياسية مصرية، وشخصيات عامة عديدة، للأجندة الوطنية والمصالح المصرية .. وقد حرقت نار غزة الكثيرين فى عيون الرأى العام .. وانتبه الناس إلى أن هناك من هو مستعد لأن يضحى بالمصالح المصرية مقابل أن يحقق مكسبا سياسيا تافها وغير مضمون .. ومن يمكن أن يعقد تحالفات مع خصوم البلد - ولا أقول أعداءه - مقابل أن يسبب خسائر للإدارة يتصور أنها سوف تصب فى منافعه .
انكشاف الجماعة
خلاصة تلك الأزمة، لجهة تأثيرها على التفاعل السياسى الداخلى، أنها كشفت بالتحديد (جماعة الإخوان المسلمين) المحظورة بحكم القانون .. وحرقت مواقفها .. وأظهرتها فى الجانب الذى يساند خصوم مصر .. وأنها صاحبة مشروع غير ديموقراطى .. وأنها مستعدة لأن تتخلى عن ثوابت مذهبها السنى لصالح التشيع السياسى .. والقبول بتحالف مع الفُرس .. والرضا بأفعال حركة حماس المقيتة .. وترديد الأكاذيب حول الدور المصرى .. والطعن فى البلد حتى لو أدى ذلك إلى خسرانها على مستوى الأمن القومى .
إن (الإخوان) إجمالا جماعة مكشوفة، وليست لها مصداقية، ولكنها تمكنت فى السنوات الثلاث الماضية من أن تثير لغطا، ودعاية، نجحت فى أن تثير فى أذهان الناس تساؤلات، ما دفع البعض حتى لأن يطرحهم بديلا .. ومعارضة يمكن أن تحكم هذا البلد فى يوم من الأيام .. وهو كلام تردد فى مقالات وبرامج ودراسات .. وبما فى ذلك فى وسائل إعلام دولية .. ومراكز أبحاث مرموقة فى أوروبا والولايات المتحدة .
وقد خضعت الجماعة المحظورة لاختبارات عدة فى السنوات الماضية، وكان أن سقطت كثيرا لولا الدعاية الكثيفة والتواطؤ الذى مارسه الإعلام الخاص تحديدا والخارجى عموما، ولاسيما حين انكشفت تماما بعد أن طرحت برنامجها السياسى لمشروع الحزب .. وواجهت أسئلة صعبة لم تجد إجابة عنها وتفجرت المواقف الداخلية فيها .. وتصارعت قياداتها على أنصبة الشهرة .. لكن كل هذا ظل صداه نخبويا .. بينما هناك تراث من الخديعة كان لم يزل له تأثير فى قطاعات من الناس .
أزمة غزة أماطت اللثام تماما عن جماعة الإخوان .. كشفت أنها مشاركة فى مؤامرة على البلد .. أظهرتها على حقيقتها للناس .. بدون أن يقودهم إلى ذلك أحد.. الاستفهامات طرحت نفسها فى ذهن الرأى العام .. وكانت الإجابات كافية لإقصاء هؤلاء من الساحة بحكم أفعالهم .. ففقدوا ما تبقى فى وعاء الدعاية الخادعة.
أهمية ذلك تكمن فى أن الجماعة كانت تقدم باعتبارها القوة السياسية القادرة على تحريك الناس .. والفئة التى يمكن أن تطرح بديلا .. وليس غريبا أن تجد الآن من يقول من المعارضين إن (إدارة الحكم) استخدمت الإخوان كفزاعة للغرب وللتغيير الديموقراطى فى مصر .. هذه المقولة ليست انتقادا لإدارة الحكم وإلصاق تهمة بها ليست فيها .. ولكنها محاولة عكسية للتملص من الإخوان .. والابتعاد عنهم بكل ما فيهم من سوءات سياسية وعقيدية .. وسوءات تتعلق بالشرف الوطنى أيضا . هذا متغير حيوى فى المرحلة الجديدة من التغيير فى البلد.
انتخابات القضاة
انتخابات نادى القضاة كانت بدورها عاملا جديدا فى تشكيل بداية المرحلة الجديدة .. فعلى الرغم من أن النادى ليس مؤسسة سياسية .. إلا أنه قُدم فى الأعوام الماضية على أنه منبر ذو طبيعة سياسية .. وظهرت فى ساحته تفاعلات وشخصيات تبنت موقف المعارضة الصارخة لنظام الحكم .. وعومل فى الأزمة الشهيرة فى 2006 على أنه الكتلة التى يمكن أن تقود تغييرا جذريا فى البلد .. باعتبار القضاة نخبة مؤثرين ومثقفين .. وكان النادى ساحة لمن تصوروا أنهم زعماء سياسيون أكثر من كونهم قضاة .
لقد انعكست الحالة المثيرة للجدل من واقع النادى على مجريات المؤسسة التى تمثل السلطة الثالثة فى نظام الحكم المصرى .. وصنع البعض منها انشقاقا بين اتجاهين فى القضاة.
الأول مدافع عن تقاليد المؤسسة وقيمها غير المشتبكة مع الواقع السياسى والمستقلة عن تفاعلات وصراعات الأحزاب والتيارات .. التى تلتزم حيادا إيجابيا بين الأطراف، كما لو أنهم متنازعون فى قضية وهى الحكم بينهم.. وتطبق مجموعة من القواعد ومحددات السلوك التى توجب على القاضى ألا يتحول إلى شخصية عامة يثور حولها الجدل وتُخضع آراءها للتقييم والمبارزة .. فضلا عن أن عليه ألا يكون متشابكا مع صخب الإعلام والندوات والمؤتمرات السياسية.
والثانى اتجاه غير حريص على تلك القيم، يتعامل مع الدولة باعتباره معارضا لها، ويشتبك فى التفاعلات، ويقدم نفسه على أنه زعيم للتغيير، فى خصومة مع المؤسسات الرسمية، وليس لديه مانع من أن يعلن موقفه السياسى، غير عابئ بأن هذا يؤثر فى مدى الثقة فى أحكامه، ولا يبالى بأى من قيم المؤسسة القضائية التليدة حين يضع نفسه فى موضع التساؤلات بالمشاركة فى فعاليات سياسية والإدلاء بحوارات وتصريحات يبين فيها أنه ينحاز للأبيض أو للأسود.
وقد كان الكثيرون يقدرون أن الاتجاه الأول هو أغلبية القضاة، والتيار الأشمل بينهم، وأن الظروف التى أدت إلى وصول التيار الثانى إلى نادى القضاة وتحويله إلى منبر شبه حزبى ومعارض كامل، إنما يجب أن تتغير، وكان الكثيرون يقدرون أن لحظة الفرز قادمة .. وقد جاءت فى الأسبوع الماضى .. فسقط ممثلو التيار الثانى فى الانتخابات سقوطا مدويا .
لست هنا بصدد التعليق على ما قيل عقب ظهور النتائج، والتطاولات الإعلامية والصحفية التى ادعت أن الحكومة قد اشترت القضاة لكى يطيحوا بما كان يسمى (تيار الاستقلال) مقابل فوز (تيار التغيير) .. فأنا أربأ بقضاة مصر عن هذا اللغو .. ولكننى أجد فيما حدث فى تلك الانتخابات دليلا أكيدا على المرحلة التى نتحدث عنها فى مسار التغيير فى مصر .. بفقدان المعارضة الصوتية لواحد من أهم المنابر التى لم يكن على أحد أن يترك لهم تحويل طبيعتها .
فيما مضى كان هناك من يقارن بين دور نادى القضاة فى الحراك السياسى وبين دور نادى الضباط فى تفجير ثورة يوليو 1952 .. وعوملت بعض المظاهر السياسية للنادى على أنها مؤشرات حقيقية على عصر جديد يقوده قضاة النادى .. وكتبت نظريات فى أن تلك هى النخبة التى سوف تقود مصر إلى زمن آخر .. وحين جاءت لحظة الفرز فإن قضاة مصر - وليس النادى - كانت لهم كلمة أخرى ..مؤداها أنه يجب ألا يكون القضاء متورطا فى الصراع السياسى .
هجوم الأغلبية
العامل الثالث يتعلق بالسلوك السياسى الجديد للحزب الحاكم، أى الحزب الوطنى، صاحب الأغلبية، انطلاقا من مؤتمره السنوى الأخير فى نوفمبر الماضى .. حين اعتمد منهجا مختلفا فى الأداء السياسى يقوم على (الهجوم) و(المبادرة)، ولايلتزم السكون .. والدفاع فى مواجهة حملات مستمرة طالته وطالت قياداته ومناهجه خلال السنوات الثلاث الماضية وعلى نطاق واسع. اللغة فى حد ذاتها اختلفت، والطريقة صارت متمايزة عما كانت عليه الأمور من قبل، وأصبح حزب الأغلبية خارج خندق صد الهجوم .. والتقوقع فى مواجهة سيل من الاتهامات لايتوقف من جانب القوى الأخرى ..سواء يسارية أو متأسلمة .. أو حتى القوى التى يمكن أن تحسب على اليمين .
لقد أعطى صمت الحزب طيلة السنوات التى تلت الانتخابات البرلمانية فى عام 2005 فرصة لفئات من المعارضة غير المنظمة وغير القانونية لكى توحى بأنه كيان مهتز وغير قادر على أن يقوم بدوره .. وأنه إذا ماخاض الانتخابات فى أى وقت فسوف يخسر بالتأكيد .. وبقى على المهاجمين له أن يوفروا البديل .. ومن ثم بدأ الكثيرون فى طرح الرؤى والتصورات حول البدائل .
وإذا كان التحول فى المنهج هو نتاج المؤتمر السنوى الأخير، فإن هذا النتاج كان نابعا من قواعد وقيادات صغيرة ووسيطة، كانت تدفع إلى أعلى رغبتها فى الاشتباك .. وإصرارها على المواجهة السياسية فى إطار القانون .. وأنه يجب ألا يصمتوا أمام الادعاء بأن كل عضوية الحزب هى من الفاسدين والمنتفعين وأصحاب المصالح . المؤكد أن التغييرات التى جرت على بنية العضوية، نتيجة لانضمام عدد كبير من الشباب إلى وحدات الحزب، والعملية التنظيمية التى تطورت خلال الفترة الماضية كاشفة عن قيادات مختلفة، مع ثبوت جدوى خيارات الحزب السياسية والاقتصادية، والتطور الذى طرأ على الأداء البرلمانى، مع ضغوط النواب الذين يواجهون تنافسا شرسا فى دوائرهم .. كل هذا أدى إلى انتصار الاتجاه الراغب فى أن تكون له المبادرة فى التفاعل السياسى وأنه لا يجب الصمت على الهجوم المتواصل من التيارات الأخرى .
هذه اللغة المتميزة بالرغبة فى المواجهة، والأداء الهجومى، دفع قوى أخرى كانت تظن أن الساحة خالية إلى التفكير مرات قبل أن تقوم بما كانت تقوم به من قبل على الساحة السياسية .. وأصبح عليها أن تتوقع أن تجد الحزب صاحب الأغلبية متواجدا فى مواقع الاحتياج الاجتماعى التى تحولت لأسباب مفهومة إلى مواقع للتنافس السياسى .. كما صار عليها أن تواجه المطارحة الأيديولوجية فى المجالات الاقتصادية .. حيث انكشفت لأنها لاتقدم بديلا حقيقيا ومقنعا للناس .
ومن المؤكد أن هذا التحول فى أداء الحزب الوطنى لم يكتمل، وباليقين فإن بنيان الحزب كله لايقوم بالتفاعل بنفس الدرجة المتوقعة، لكن المهم هنا هو أن ذلك المنهج .. وعوامل أخرى . أدى إلى عدم تجاهل الحزب الأكبر عربيا فى احتساب أرقام المعادلات .. والتعامل معه وفق حجمه المفترض .. ففى كثير من الأحيان كان هناك محللون وسياسيون يقيمون الأمور على أن الحزب غير موجود.
رحيل بوش
إذا ما انتقلنا مجددا إلى العوامل الخارجية، فلابد أن نضع فى الاعتبار وصول الرئيس الديموقراطى الأسود باراك أوباما إلى البيت الأبيض فى 20 يناير الماضى .. وخروج الرئيس الأمريكى السابق بوش الذى كان سيخرج فى كل الأحوال .. لكنه لم يترك فى موقعه رئيسا له نفس النهج وذات الأيديولوجية التى تسببت فى مشكلات عديدة حول العالم خلال السنوات الثمانى الماضية .. ولاسيما بعد غزو العراق فى عام 2003 .
ليست المشكلة فى أن الذى مضى كان ضاغطا وصارما ضد الأنظمة، والتالى سيكون متساهلا مع إدارات الدول، لا الأولى صحيحة على إطلاقها، ولا الثانية صائبة فى مجملها .. وإنما المشكلة فى الحالة التى اختلقها بوش .. والحالة التى يتوقع أن تؤدى إليها أساليب أوباما. لقد كان بوش، ومعه فريق المحافظين الجدد، الراغبين فى إحداث تغيير قسرى فى دول المنطقة بُعيد إتمامهم لغزو العراق، يمارسون أعنف أساليب الضغوط من أجل تحقيق عناوين مجموعة من الخطط التى قصدت ليس فقط إحداث تحولات جوهرية فى الدول .. وإنما أيضا إحداث تحول فى الجغرافية السياسية .. وفى واقع الاستقرار الإقليمى والمحلى .. بدءا من (مشروع الشرق الأوسط الكبير).. ومفهوم (الفوضى الخلاقة) .. وبرامج (نشر الديموقراطية).
لم تفلح ضغوط بوش فى أى وقت، ولم تنجح إدارته فى أن تحقق أى شىء بالأمر، حتى حين أدى هذا إلى اقتطاع من قيمة المعونات الأمريكية لمصر لأسباب مختلفة، لكن الحالة التى اختلقها أدت إلى أمرين :
- الأول : هو نشوء فئة جديدة من المستفيدين من برامج تلك الإدارة وتمويلاتها .. تعتمد أجنداتها على ما يملى عليها من واشنطن .. وتفتقد إلى الولاء الوطنى أو الإخلاص للبلد فى أنشطتها .. تلك التى حولت العمل التطوعى والنشاط الحقوقى إلى وسيلة للارتزاق وتكوين الثروات وابتداع الدور السياسى الذى لا أصل له.
- الثانى : أن عددا من السياسيين المعارضين كانوا يعتقدون أن موقف الإدارة المناقض للدول الشرق أوسطية وبما فى ذلك مصر .. يكفى لأن يجعلهم مستندين إلى تعضيد خارجى ومساندة أمريكية تعطيهم الحق فى تجاوز القانون .. ومخالفته .. ثم الصراخ طلبا للعون من واشنطن التى سرعان ما تكتب وتتكلم وتصرح .. صحيح أنها لم تكن تجد أذنا صاغية .. لكن هذا كان يعطى أولئك طاقة من نوع ما .. فضلا عن أنه وضع خلق غصة فيما بين القاهرة وواشنطن لم يكن من الممكن تجاوزها رغم المصالح المتشابكة بين الحلفاء.
ولايمكن أن نتوقع من الرئيس أوباما أن يتخلى عن دعم الديموقراطية والإصلاح، والمطالبة بها، فهى أساسية فى ثوابت الحزب الديموقراطى، الملتزم دوما بنهج حقوق الإنسان ومبادئه، ولكن تلك الإدارة تختلف فى أسلوبها ومنهجها .. ولايعتقد أنها تميل إلى استخدام الأساليب القسرية فى مساعدة الدول على أن تتطور .. ولايتوقع أنها أن تمارس تدخلا فى شئون الآخرين .. بقدر ما سوف تكون محفزة ومعاونة.
والأهم، الذى علينا أن نترقب مؤشراته، أن برامج الإدارة القديمة، وما كان يقرر لها من تمويلات اختلقت أفرادا ووسائل إعلام بشرت بالثورة البرتقالية والثورة البنفسجية، لايفترض أن تكون كما كانت، على الأقل فى ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعانى منها جميع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة . إن هذا عامل مهم ومؤثر فى مسارات الحراك المصرى فى مرحلته الجديدة، لاشك فى ذلك، ولكن بقية مقوماته لم تتجل بعد .
الأولوية الاقتصادية
نأتى إلى الأزمة الاقتصادية الدولية التى بدأت بأزمة مالية أمريكية ثم عالمية، وهى قد تبدو متغيرا خارجيا لاعلاقة له بالتفاعلات السياسية الداخلية فى مصر .. لكننى أراها عكس ذلك وفق المبررات الآتية: فالأزمة لها انعكاساتها على الاقتصاد المصرى، باعتباره اقتصادا أقرب إلى أن يكون متعولما .. أو للدقة متفاعلا مع العولمة .. تلك الخاصية التى منحته القدرة على الانطلاق فى السنوات الماضية .. ولاسيما أنه لا يمكن لأى دولة أن تنغلق على نفسها الآن .. وبناء عليه فإنه يتأثر بدرجة تالية بالمتغيرات الدولية .. فعائد قناة السويس تراجع .. وعائد السياحة .. وعائد التصدير .. ومعدل اجتذاب الاستثمارات .
هذه الوضعية تطرح على المواطن المصرى هموما تجعل اهتمامه بالصراع السياسى المترف أقل مما كان عليه فى السنوات الماضية.. حين كانت تثور قضايا جدلية لاتتعلق بمصالحه مباشرة لكنه يتفرج عليها بشغف واهتمام فى إطار الانشغال بالجديد فى المجتمع.. الآن سيكون اهتمام المواطن الاقتصادى أكبر.. وانشغاله السياسى سيكون مبنيا على أساس الاهتمام الاقتصادى .
ومن ثم فإنه سوف يطرح أسئلة جوهرية على التيارات السياسية التى كانت تتبارز فى أمور فوقية .. وسوف يفرض عليها استفهامات تتعلق باستعدادها لأن تقدم بدائل وتطرح رؤى يمكن أن تساعده على اجتياز الأزمة .. أو الإبقاء على وظيفته وبحيث لايتم تسريحه منها.
لقد عبرت الأزمة الغذائية على مصر دون أن تترك أثرا سياسيا، جوهريا، فى تصنيف وتقييم التيارات والأحزاب، ولم تختبر رؤى القوى التى تدعى أنها قادرة على إيجاد الحلول، ولكن الأزمة الاقتصادية سوف تكون أطول مدى .. وسوف تكون أشد قسوة .. ومن ثم سوف تفرض تحديات أخرى .
وقد تعتقد بعض القوى أنه يمكن أن تستغل أجواء تلك الأزمة فى أن تزايد أو تحقق مكاسب من خلال الادعاءات، لكننى أعتقد أن هذا لن يؤتى جدوى، لسبب جوهرى .. وهو أن تلك القوى لاتطرح بدائل حقيقية أو برامج واضحة أو أفكارا مجدية .. وهى تواجه الآن لحظة الحقيقة .
وما أعتقده أيضا أن التحركات الاحتجاجية فى المرحلة الجديدة سوف تكون ذات طابع اجتماعى وفئوى وليس لها علاقة بالتيارات السياسية .. ليس فقط لأنه لاعلاقة لها بها .. ولكن أيضا لأن من سيقومون بها سوف يحرصون على أن تكون بعيدة عن التنافس السياسى والأيديولوجية حماية لمصالحها وما تطالب به .. وعلى سبيل المثال .. فإن إضراب أصحاب المقطورات وسائقيها وإضراب الصيادلة .. وهما حدثان لم تكن للأزمة الاقتصادية الدولية علاقة بهما . .كانا حدثين بعيدين تماما عن أى تحريض سياسى ولم يتمكن أى تيار من القفز عليهما. خلاصة الأمر أن الموضوع الاقتصادى سوف يفرض تحديات قاسية على الجميع فى الأيام المقبلة .. سواء بين أصحاب الأغلبية أو معارضيهم القانونيين أو غير القانونيين.. ولذلك تأثيرات سياسية مختلفة .
ملاحظات أخيرة
أما وإن تلك هى مبررات نشوء المرحلة الجديدة من التغيير فى مسار الحراك المصرى .. بما تعنيه من نهاية ملموسة لمزايدات الأراجوزات والمفتعلين .. وصولا إلى مرحلة أبعد من النضج .. كيف يمكن إذن أن نتعامل مع تلك المرحلة باعتبارها متغيرا أشمل؟
1- يحتاج الرأى العام إلى شرح مستمر للمتغيرات الإقليمية وتأثيرها على الأمن القومى المصرى، وأن يبقى مستنيرا بالحقائق وأبعاد الموقف، تلبية لرغبة حقيقية داخله .. ولكى لا يترك ضحية للرؤى السوداء التى تطعن فى البلد من الداخل .. وتلك ليست مهمة الدولة فقط وإنما هى مهمة لابد أن يقوم بها كل المعنيين فى جميع المجالات .
2- لابد من تفعيل عوامل مختلفة تؤدى إلى تفجير الإحساس بالوطنية المصرية، ما يؤدى إلى ترسيخ الاهتمام بالمصلحة المصرية أولا فيما بين قطاعات الرأى العام، وبحيث يتراجع تأثير الخطاب المتطرف الداعى إلى إعلاء الهوية الدينية للمصريين على حساب الهوية الوطنية .. ولتلك المسألة نتائج كثيرة جدا .
3- تحتاج الساحة الداخلية إلى مزيد من محفزات السياسة .. والدفع فى اتجاه ترسيخ البنيان الديموقراطى .. بما يخلق مساحات أكبر للقوى الشرعية القانونية .. وما يعطيها فرصة أكبر فى أن تطرح نفسها وأفكارها وتكتسب الأنصار .. فالساحة لن تكون لواحد .. ولايمكن أن يكون البديل هو القوى غير الشرعية التى لاتعبر عن المجتمع وتناقض خصائص الدولة .
4- بقدر ما تحتاج الساحة الحزبية إلى محفزات بقدر ما تحتاج إلى حيوية من الأحزاب نفسها .. ومشاركة فعالة لملء المساحات .. وإعادة بناء المصداقية .. خاصة على مستوى أحزاب المعارضة التقليدية .. وبعض الجديدة .. وأعنى مثلا : الوفد - التجمع - الناصرى - الجبهة الديموقراطية .
5- إذا كانت نتيجة انتخابات نادى القضاة قد أظهرت مؤشرات شديدة الأهمية .. فإن على أهل السياسة والقانون فى البلد أن يسعوا حثيثا إلى تفعيل المنابر النقابية والمشاركة فيها .. ومنع خضوعها للأقليات المنظمة التى توظفها فى إطار مصالحها السياسية .. وترسيخ الدور المهنى والاجتماعى للنقابات قبل الدور السياسى .. فهو تالٍ وليس سابقا.
6- لن تبلغ هذه المرحلة الجديدة قدرها الواجب من النضج مادامت الساحة الإعلامية تعانى من فوضى .. ولاتحكمها قواعد .. بدون أن يعنى ذلك أى تقييد للحرية .. ويشمل هذا أهمية أن يكون مضمون الرسائل الإعلامية قادرا على تحصين الرأى العام ضد هجمات الخارج الإعلامية والسياسية وحملاته.
7- إذا كانت هناك رؤية مختلفة وجديدة للعلاقة مع الولايات المتحدة فى إطار مرحلتها الجديدة، فإن الإطار السياسى وحده ليس كافيا لكى لايكون الصخب الأمريكى عنصرا فى التفاعل الداخلى .. وإنما يقتضى الأمر تحركا إعلاميا مكثفا فى الساحة الأمريكية ليس دعائيا وإنما شارحا للحقائق وناقلا وجهه نظر البلد .. وبحيث لا تكون المنابر الإعلامية الأمريكية ملجأ لنصرة الجماعات غير الشرعية المصرية والخارجين عن قواعد السياسة والاستقواء بالخارج على الداخل.
8- لم تطرأ متغيرات حقيقية على الساحة الجامعية .. تحديدا بين الطلبة .. وبما يضمن انضواءها فى تفاعلات المرحلة الجديدة .. ومن ثم يحتاج الأمر إلى يقظة وإعادة النظر فى قواعد النشاط العام فى الجامعات .. بحيث لاتترك لقمة سائغة لمن يصنعون أجيالا من المحبطين والغاضبين .. فتكون تعويضا لهم عن خسائرهم الكبيرة فى مساحات أخرى .
9- المتغيرات الاقتصادية تقتضى انتباها حكوميا ويقظة لابديل عنها فى التعامل مع نتائج الأزمة الدولية وتأثيراتها الداخلية وبحيث لاتترك الفئات المتضررة نهبا للمزايدين .. وتكون تلك فرصة جديدة لكى يعودوا إلى المولد.
07 فبراير, 2009
اربعه فى مهمه قذره
المقال المنشور فى روزاليوسف - المجله
بتاريخ 7 فبراير 2009
=====================================================
بقلم : عبدالله كمال
=====================================================
اربعه فى مهمه قذره
لاتوجد فروق جوهريه حاسمه بين الاربعه ، فالمعين واحد ، والمنبع مشترك ، والمصب معروف ، بل انه توجد سياقات تنظيميه واعلاميه وبحثيه تجمع بينهم بصوره او اخرى ..ولكن الاختلافات التى تفصل بين كل منهم هى فى طريقه الاداء ..واسلوب تسويق الرساله ..ولغتها..ونطاقها الجغرافى المستهدف ..ومن ثم فان كل منهم يقف على منصه ..تجمعها كلها ارضيه مشتركه ..كما لو انهم مجموعه افراد فى (عصبه) واحده.. يتراقصون على مسرح ما..لكل دوره ..ولكل اسلوبه فى تحقيق المطلوب..لكن المسرحيه هى نفسها ذاتها.
فى غضون الايام الاربعين الماضيه ، كان الاربعه يقومون بعمل متناغم ، اذا اختفى هذا حينا ظهر ذاك بعده ، يرددون رسائل التحالف (الايرانى السورى القطرى )، ويسوقون الرؤى التى يتبناها ، واهم بند فيها هو الهجوم على مصر وتخوينها ..والضرب فى دورها ..والطعن فى قوميتها ..واداء شخصياتها وقياداتها ..وقد تجلت صور ظهورهم المنسق من قبل ..لكن اكثرها وضوحا وبشكل سافر كان هو الذى بللورته ازمه غزه .
والاربعه ، هم فى راى الخاص ، رؤوس مالايمكن ا ن اصفها بانها تيارات ..فهم عمليا من تيار واحد ..وان تباينت النوته المعزوفه..التيار القومى- المتاسلم ..بتنويعاته..ولكنهم رؤوس طوابير اذا جاز التعبير ..خلف كل منهم مثيله الذى ياخذ منه بطريقه او اخرى ..او تكون الراس هى التى تبادر وتطلق الرساله الاولى ويكون التابعون فى هذا الطابور او ذاك مرددين لما قال الاول ..مع تغيير فى طريقه العرض ومعزوفات الاداء .
الاول ، هو الدكتور عزمى بشاره ، ومن خلفه تجد محمد حسنين هيكل ، ومحمد المختار الشنقيطى وهو كاتب من موريتانيا ، والامير الحسن بن طلال ، وفهمى هويدى ، واحيانا جميل مطر ، وغسان بن جدو..مذيع الجزيره وثيق الصله مع ايران وسوريا.
الثانى ، هو الدكتور حسن نافعه ، وهو بالمناسبه الامين العام لمنتدى الفكر العربى ، الذى يراسه الامير الحسن بن طلال ، وخلفه تجد اصوات مصريه تابعه ، مثل : ضياء رشوان ، وعمرو الشوبكى ، والفلسطينى ياسر الزعاتره، ومذيع الجزيره الذى لايمكن اعتباره باحثا وان كان مرددا احمد منصور.
الثالث، وهو الدكتور عبدالله الاشعل ، ولايوجد له تابع ، فهو حاله خاصه وشخصيه ، يدخل على المساحات مابين الفريق التابع للاول ..والثانى ..ويصل احيانا الى الرابع ..ويتنوع مابين الشتام الصارخ والمحلل الملتحف بثياب الرصانه المزيفه ..وقد انضم الى هذه الزمره لاسباب وظيفيه واحباط شخصى سوف ياتى ذكره.
الرابع ، هو عبدالبارى عطوان ، وهو يقود نوعا من الناس الذين يماثلونه ، واغلبهم من مصر ، مثل عبدالحليم قنديل ، وابراهيم عيسى ، وحمدين صباحى .
وبين هؤلاء جميعا وشائج تشمل اغلبهم ..ان لم يكونوا جميعا..وكثير منهم اصدقاء شخصيين بحكم الجيره الفكريه ..وتميزهم بحاله (المتوحدين) فكريا..ولكن الارضيه الاوسع التى تضمهم بصوره مباشره هى قطر ..وعبر ابرز ادواتها (قناه الجزيره)..وربما بعض الصحف ..وبعض المؤتمرات التى تستضيفها الدوحه ..واذا كانت بينهم استثناءات بسيطه جدا فان تلك الاستثناءات تحظى برعايه نفس الجهه ..سواء اعلاميا ..او غير ذلك ..استثناءات قليله تكاد تكون منعدمه تؤكد القاعده.
# الاول – اللاجىء
لم يكن احدا يطلق على عزمى بشاره وصف (المفكر) ، حتى قررت قناه الجزيره ان تسوقه على تلك الصوره منذ سنوات قليله بعد ان اصبحت الدوحه هى مقره الرئيسى ..فقد كان عضوا فى الكنيست الاسرائيلى ..باعتباره من عرب اسرائيل ..سياسيا معارضا ..ولكنه يقبل واقعيا وقانونيا بوجود اسرائيل ككيان معترف به هو احد مواطنيه ..ويحمل جواز سفره ..ويحصل على اصوات ناخبيه ..قبل ان يتحول الى النصير المعلن للمقاومه الاسلاميه واحد اهم مرددى مقولات حزب الله وحركه حماس .
التحول الجوهرى فى مسيرته كان قد جرى فى حدود 2006 ، حين لاحقته اسرائيل قضائيا بعد عده زيارات الى سوريا ، باعتباره يعمل ضد الدوله ، واكتشف بشار ه ان العمليه تاخذ منحى يستهدفه شخصيا فاعلن اعتزال الحياه السياسيه اسرائيليا ، واصدر بيانا بمعنى الانصراف من عمان فى الاردن ، ومن ثم حصل على وظيفه استشاريه فى قناه الجزيره ..وصار اقرب الى لاجىء فى قطر .
واحتوته قطر ، التى كانت ولم تزل لها علاقات وثيقه مع اسرائيل ، وصارت نشاطاته المتنوعه تتركز فى الظهور على شاشه الجزيره من حين الى اخر ، او حضور مؤتمر فى الدوحه ، او القاء محاضره فى احد المركز ..ايضا فى الدوحه ..او كتابه مقال ينشر على موقع الجزيره .نت او ورقه تقدم الى مركز دراسات القناه ايضا .
قبل ان ينعقد اجتماع الدوحه ، الذى سمى قمه غزه ، وحضرته ايران بعد ان فشلت قطر فى تحقيق القمه العربيه الطارئه التى دعت لها ، كان عزمى بشاره هو الذى بشر بحضور ايران الى اجتماع الدوحه ..وقال على قناه الجزيره بوضوح ..ان اى قمه قادمه لابد ان تحضرها ايران ..ولابد ان تتحول الى اجتماع اقليمى ..وقد جاء هذا على لسانه بعد يوم واحد من كشفى فى جريده روزاليوسف ان وزير خارجيه قطر قد قال للمسئولين الاتراك ان الدوحه تنوى دعوه ايران لحضور القمه العربيه الطارئه هى وتركيا واندونيسيا وماليزيا والسنغال ..فلما صارت التوجهات مكشوفه خرج عزمى بشار هلكى يدافع عنها ويفسر مبرراتها ..مستخدما مكانته المسوقه كمفكر لكى يقنع الراى العام العربى بهذا.
بعد يوم واحد تقريبا ، وربما ساعات ، من اندلاع العدوان الاسرائيلى على غزه ، وبينما كانت الحرب الاعلاميه المستعره قد اشتعلت فى اتجاه مصر ، كتب عزمى بشاره مقال شهير كان بمثابه (مانفيستو) الحمله الذى ردده الطابور خلفه ، عنوانه (بيان غزه) ..وقد نشر فى موقع الجزيره .نت ..فى نفس اليوم الذى نشر فيه مقال الحسن بن طلال (سلام على غزه).
فى بيان بشاره ، وفى وقت مبكر تماما من الازمه ، كان هو الذى قدم تاصيلا لاكذوبه تواطوء القاهره فى العدوان ، اذ قال : (كان واضحا أن من لم يأت إلى حوار القاهرة للاعتراف بانتصار الحصار وبنتائجه السياسية المستحقة سيدفع الثمن. كانت هذه هي الفرصة الأخيرة التي يلام عليها من لم يستغلها)...ومن بعد ذلك فانه – بخلاف اصوات حماس – اول من ردد وجود تنسيق عربى مع اسرائيل فى العدوان ..اذ قال : (جرى التحضير للعدوان بعد تنسيق أمني سياسي مع قوى عربية وفلسطينية، أو إعلامها على الأقل، حسب نوع ومستوى العلاقة).
وبغض النظر عن انه تجاهل ان وزير خارجيه قطر ورئيس وزرائها قد اعلن لقناه فوكس نيوز الامريكيه قبل العدوان بيومين ان قطر تحاورت مع اسرائيل حول استمرار التهدئه ، وانها وعدتها بعدم وقوع عدوان ..ثم خدعتها ، فان عزمى بشاره راح يؤصل للتخوين وشق الصف ..وذهب حتى الى تشويه بيانات الادانه العربيه التى صدرت..وقال: (لا تناقض بين تنسيق العدوان مع بعض العرب وبين إدانة العدوان الصادرة عنهم، بل قد تكون الإدانة نفسها منسقة. ويجري هذا فعلا بالصيغة التالية "نحن نتفهم العدوان ونحمل حركة حماس المسؤولية، وعليكم أيضا أن تتفهموا اضطرارنا للإدانة.. قد نطالبكم بوقف إطلاق النار، ولكن لا تأخذوا مطلبنا بجدية، ولكن حاولوا ان تنهوا الموضوع بسرعة وإلا فسنضطر إلى مطالبتكم بجدية).
وراح بشاره يطعن فى القيام باى جهد انسانى لصالح الفلسطينين فى غزه قبل ان يبدا ، واعتبر ان الحديث عن وحده الفلسطينين هو كلام مترف بينما العدوان قد بدأ ، وبدا من اللحظه الاولى متحدثا عن معركه طويله ..الخطه التى دعا اليها منها هى : ( تحقيق الصمود ..وجعل العدو يخسر سياسيا) ..مؤكدا على انه يمكن افشال العدوان وتحقيق خساره لاسرائيل والعرب المتعاونين معها على حد وصفه .
فى نهايه العدوان ، وكما وضع عزمى بشاره النظريه لبدايته ، فانه كتب نهايته ، فى مقال عنوانه (بيان وقف اطلاق النار)..وكما لم تذكر دوله عربيه واحده فى البيان الاول ..فان كاتب بيانات الحرب فى قطر ومن اجلها وبفلوسها ، ركز جهده بصوره اوضح على استكمال عمليه تشويه صوره مصر ..وقال فى بيانه هذا يوم 19 يناير 2009: ( حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماه افكار مصريه ، واسرائيل لم تنتظر ، وقد اوقفت اطلاق النار مستغنيه عن الجهد المصرى ، كما كانت قمه الدوحه التى اثارت غضبا غير تكتيكى اذ طرحت افكارا اخرى غير المبادره المصريه ، وشاركت فيها انظمه رسميه متجاوبه مع الحد الادنى مع رايها العام وكان لابد من انقاذ مصر بان يقال فى اسرائيل ان وقف النار جاء بناء على طلبها).
وبغض النظر عن التلفيق المتعمد والمتجاهل لكل الحقائق ، والساعى الى وضع قطر فى موقع النديه مع مصر ، وتناسى ان اطلاق النار قد وقف بناء على تنسيق مسبق ، وانه بينما يكتب بيانه هذا كانت فصائل المقاومه قد اعلنت بدورها وقف اطلاق النار ، فان عزمى بشاره قد نقل المساله الى مرحله اخرى حين اعتبر ان العدوان قد فشل وان المرحله التاليه هى افشال جهود التسويه وتعضيد المقاومه ..ومن ثم دفع فى اتجاه اسقاط المبادره العربيه الذى تتبناه قطر وسوريا وايران .
من هذا المعين اخذ هيكل ، وهويدى ، وماشابه ، ونقلوا فى كتاباتهم ، مع بعض التصرف ، وحين ظهر هيكل بعد بيان بشاره الاول فان كلامه لم يكن يخرج عن سياق بشاره ..ومن ثم لم اندهش ابدا حين وجدت على احد المنتديات الانترنتيه (منتدى الجزيره توك) من يقول : (هناك الكثير ممن أصبح يمل من حلقات 'مع هيكلK ' أما السبب فحسب نظر البعض هو لعدم وجودمن يحاوره ويطرح اسئلة يوضح من خلالها للمشاهد اكثر ..أجدها كذلك أنا أيضا ..يعني بصراحة الحلقات أصبحت مملة أجد أن عزمي بشارة يتفاعل أكثر ويجعلك كذلك وحتى من دون محاور وهذا ما لاحظته في محاضرتين له على الجزيرة مباشر ..الآن هل سيختلف الوضع إن خصص برنامجا هذا ماليس عندي اجابة عليه(.
عموما ليس عزمى بشاره مفكرا، وان وصف كذلك ، هو مجرد سياسى طريد ، يتمتع باستضافه قطر ، ووظيفتها ، ومن ثم يمكن الحكم على مايقول فى هذا السياق ..كما ان هيكل نفسه موظف لدى الجزيره ..وان كان قد قبض اجره من الديوان الاميرى ..وايا ماكانت درجه عدائه لاسرائيل الان(اى عزمى بشاره) ..فقد كان عضوا فى برلمانها ويتحدث عن ديموقراطيتها ويطلب حقه بناء على قانونها ..هو طريد لكنه عاش اغلب عمره اسرائيليا .
# الثانى – المتهم
يمثل حسن نافعه حاله نوعيه خاصه من تلك التى كتب عنها داوود الشريان الكاتب السعودى قبل ايام ، حين تحدث عن المعارضين المصريين الذين لم يقفوا الى جانب وطنهم فى ازمه غزه ..ووجدوها فرصه لكى يقوموا بتصفيه حساباتهم معه ..ولم يلتزموا حتى بالصمت .
لكن حسن نافعه ، وهو استاذ سابق فى كليه الاقتصاد والعلوم السياسيه بجامعه القاهره ، لم تعرف فى حياته العامه صفته المعارضه الا فى السنوات الخمس الاخيره ..تقريبا .. وقد كان ضيفا مقيما فى التلفزيون المصرى ..ويظهر فى برامج مساء الخير وصباح الخير وعشرات غيرها ..منظرا لما يقوم به النظام فى مصر ..ومعبرا عن تاييد علمى لتوجهاته ..يكسبه بعض المصداقيه من خلال كونه يستخدم العبارات ذات الطابع القومى ..استنادا الى خلفيه ناصريه .
ثم تبدلت الاحوال ، وتغيرالمواقف كما تغيرت مواقف كثيرين ، ونسى الدكتور حسن نافعه ارشيفه الذى لايمكن انكاره ..اذ لم يتمكن من ان يصبح عميدا للكليه ..كما ان امنيته الغاليه بان يكون مندوبا لمصر فى اليونسكو لم تتحقق ..ومن بعدها اصبح الدكتور نافعه عدوا لدودا للدوله المصريه ..وللاداره تحديدا ..وللحزب الوطنى خصوصا ..لاسيما وان الحزب فيما يبدو لم ينتبه الى ضمه لامانه السياسات ..حين طلب منه الدكتور مصطفى الفقى ترشيح بعض الاسماء للانضمام الى لجنه( مصر والعالم) فى الامانه من شباب الباحثين فى الكليه ..فرشح الدكتور حسن اسماءا ..ولم يكتب اسمه منتظرا ان يتم اختياره ..ولم يختر .
ليست هذه هى القضيه ..فقد ذهب نافعه بعيدا ..وتم استيعابه داخل اطر الفكر القومى المتاسلم من خلال مهمته كامين عام لمنتدى الامير الحسن بن طلال المعروف باسم منتدى الفكر العربى ..وهى وظيفه راتبها بالوف الدولارات شهريا ..(بارك الله له)..وصار من خلال مقالاته المطبوعه ..ولقاءاته التلفزيونيه على راس الطابور الثانى الذى يضم كما ذكرت امثال ضياء رشوان وعمرو الشبكى ..وماشابه .
فى ازمه غزه ، كان حسن نافعه ضيفا اساسيا على قناه الجزيره ، وقد كتب مقالات متنوعه ، ردد فيها ذات الافكار التى دونها فى نقاط البيانات عزمى بشاره ، لكن رسالته الاساسيه لم تكن خلال الازمه وانما بعدها ..وتمثلت فى مقال من جزئين ..بعنوان : مصر وغزه وحماس – ماذا بعد الحرب ؟..وعنوان الجزء الاول منها يكشف عن مضمون دوره فى الحمله ..وهو : (كيف وصلت سياسه مبارك الى مازقها الفلسطينى الراهن ؟)..وليست صدفه ان المقال بدوره نشر على موقع الجزيره نت/دراسات.
وعلى الرغم من ان المقال المطول ، يفترض فيه ان يكون علميا ، ومبنيا على منهج ، كما حاول ان يبدو فى بدايته ..حين طرح قضيته وفرضياته وبدا فى الاعلان عن خطته ..الا انه من الفقره الخامسه او السادسه يتحول الى الشخصانيه ، والهجوم الذاتى على الرئيس مبارك مرددا كلام محمد حسنين هيكل – فنافعه فى ذات الشبكه – عن ان الرئيس لم تكن له علاقه بالسياسه ، معبرا عن موقف خاص انتشر فى الاونه الاخيره بين بعض المعارضين المصريين من نفس الشاكله ..بدءا من هيكل وحتى عبدالحليم قنديل ..مؤداه ان طريق الشهره والصيت هو الهجوم المباشر والشخصانى على الرئيس .
ولان موضوع عدم انضمامه الى امانه السياسات يشكل محورا جوهريا فى مسيره تفكيره ، فان حسن نافعه لايمرر اى فرصه فى اى مقال لكى يدفس اسم جمال مبارك ، ويربطه باى متغير ، ولايفوت شارده بدون الحديث عن سيناريوهات التوريث وبما فى ذلك من خلال ازمه غزه .
هذا عموما كلام لايناقش ، لانعدام قيمته، ودوافعه الواضحه ، ولكن الاستاذ الذى نسى المعايير الاكاديميه فيما يبدو ، راح يمارس عمليات التلبيس التى تصل به باى طريقه الى اثبات رؤيته وهى ان مصر فى مازق ..فهى فى الثمانينات عبر العقد لان العالم كان لم يزل ثنائى القطبين ..وهى فى بدايه الالفيه اختلقت لنفسها وضعيه جديده لانها افرجت عن الجاسوس عزام وقررت تصدير الغاز لاسرائيل وابرمت اتفاق الكويز.
وفات المحلل المفترض فيه العلميه ان المبررات التى يسوقها ليس لها سياق ، وان الجاسوس عزام ظل موضوعا لنقاشات مصريه اسرائيليه سنوات طويله ..وان مصر لم تفاجىء العالم بتصدير الغاز ..فهى بالفعل كانت تصدر البترول لاسرائيل وفقا لاتفاق السلام الموقع بينهما الى ان قررت مصر ان تتحول الى تصدير الغاز ..وليس الزيت ..ولكن احدا لايقرا الاتفاقيات ولاتعرف من اين يستقى هؤلاء تدليساتهم ..واما اتفاق الكويز فهو ليس لصالح اسرائيل بقدر ماهو لصالح مصر ..ولو كانت لدى الدكتور نافعه بدائل لدخول الاسواق الامريكيه بصناعه النسيج المصريه لكان عليه اقتراحها ..والاهم ان يعلن رايه فى اتفاق مماثل وقعته الاردن التى يعمل بها الان ..وكان رئيسه مرشحا ذات يوم لولايه عهدها لولا انه جرت فى الامور ماادى الى تغييرها .
المهم ان المقال فى بعض اجزاء منه فى المقابل يروج لقوه ايران وقدرتها على القياده الاقليميه ..فى مواجهه دول الاعتدال العربى ..مصر والسعوديه والاردن ..والاسباب فى رايه هى ان ايران نجحت فى تحرير لبنان من اسرائيل عبر حليفها حزب الله ..وجعلته قادرا على الصمود فى حرب 2006 ..وهى التى ساندت حركه حماس فى صمودها لثلاثه اسابيع امام عدوان اسرائيل .
ولست ادرى كيف يمكن لمن هو مصنف فكريا على انه (قومى) ان يساند ايران وينظر لنفوذها الاقليمى – فى ارشيف الدكتور حسن مقالات مسانده للعراق ومعضده لدور صدام حسين – ولست ادرى كيف لاكاديمى ان يرى ان حزب الله حليف ايران وليس صنيعتها ، وكيف له ان يتجاهل دور الحزب فى العبث الطائفى بالتركيبه اللبنانيه ، ولست ادرى كيف يصف ماجرى فى حرب لبنان بانه صمود وقد ادى الى مقتل 1200 وتشريد مليون لبنانى ، وبالتالى لست ادرى كيف يمكن له ان يعتبر ان ايران هى التى ادت الى صمود حماس فى حرب غزه ..وقد اسفر العدوان عن مقتل نحو 1400شهيد وسته الاف مصاب ..فضلا عن 600 الف طن من ركام التدمير ..وكيف يعتبر الاختفاء فى المعركه صمودا ..وهو فوق كل هذا لم يقل ماالذى فعلته ايران وقدمته للفلسطينين وجعل حماس تصمد ..ايا ماكان معنى الصمود .
اما وان هذا التلفيق هو اسلوب التحليل ، والطريقه التى يصل بها الدكتور حسن الى نتائجه ، فاننى اتوقف عن مواصله القراءه فى مقاله ، خاصه وانه ترديد اخر لما يقول طابور عزمى بشاره ..بطريقه مختلفه ..ولعل تلك مناسبه مهم هلكى اسال الدكتور حسن عن موقف القضيه المرفوعه ضده من الدكتوره حوريه مجاهد زميلته ..وقد اتهمته بالنقل الكامل من احد كتبها ..فتلك معلومه قد تكون مفيده فى الحكم على تقييمه .
لكننى لاانهى الحديث عن (الثانى – المتهم) بدون ان اطرح تساؤلا على الامير الحسن بن طلال : هل تدفع كل هذه الاموال شهريا كراتب لامين عام المنتدى الخصوصى الذى تديره لكى يكتب كل تلك المقالات ويردد كل تلك الاتهامات ضد مصر ورئيسها ؟
# الثالث- بائع العمله
لايقف فى طابور عبدالله الاشعل احد سواه ، حتى لو كان يردد الخطاب الذى تجده فى الطوابير الثلاثه الاخرى ، وحتى لو كان ضيفا دائما على قناه الجزيره وموقعها ، وحتى لو كان ممن يدعون الى مؤتمرات الاتجاه الذى تمثله الطوابير الاربعه ..ذلك انه مستحدث على هذه اللعبه ..منذ استقال من وزاره الخارجيه ..وهى الصفه السابقه التى مازال يلتحف بها فى اغلب الاحوال لكى يعطى لكلامه قدرا من المصداقيه باعتباره دبلوماسى سابق ..غير انه فى احيان اخرى كثيره يصف نفسه باعتباره خبير فى القانون الدولى .
فى خطاب استقالته الى وزير الخارجيه السابق احمد ماهر ، وصف الدكتور عبدالله الاشعل نفسه بانه (من اكثر الناس فى الوزاره وفى مصر كلها تاهلا وعلما وخبره وتخصصا) ، وانه (متخصص فى عدد كبير من الفروع العلميه وهى الدراسات الافريقيه والعربيه والخليجيه والدوليه والقانونيه والتحكيم والدبلوماسيه والاسلاميه)..هكذا كلها كما قال عن ذاته ..ووصف نفسه ايضا بانه (من اعلام الثقافه والفكر).
وفى حوار نشرته معه مجله الاهرام العربى بعد ان استقال فى سبتمبر 2003 ، كان ان اعتبر الدكتور عبدالله الاشعل ان موقف الوزير السابق احمد ماهر منه (مرده الغيره والخوف خاصه واننى اتمتع بالانتشار الاعلامى والقدره على الحديث والتحليل والظهور فى كل بيت )، وفى نفس الوقت فانه اكد على ان الوزير الاسبق اى عمرو موسى كان بدوره هو ايضا قد اخذ موقفا بسبب غيره البعض منه ، وقد قال: ( الفارق بين موسى وماهر ان موسى ذكى كان يعرف انه يقوم بعمل غير مشروع ضدى ولكنه كان يستفيد من خبراتى فى الوزاره ولايمنعنى من السفريات الخارجيه ويبدى فقط اعتراضات على مقالاتى باعتبار انه يغير من هذه الكتابات )..ومن ثم فانه راى ان (صوره عمرو موسى الاعلاميه اكبر بكثير من امكانياته المهنيه).
كل هذا القدر من النرجسيه ، والاحساس بالاضطهاد ، الذى يمكن تلخيصه فى ان هذا الذى يعجب للغايه بنفسه ، كان ولم يزل اسيرا لذاته وعبد شخصه ..كان وقودا لمحرك تحول من ان يعادى الوزاره التى كان يعمل بها ..واستقال منها ظنا منه انها لاتستفيد من قدراته ..الى ان يقف فى الصف المناوىء للبلد كلها قبل واثناء ازمه غزه .
ويتكلم الدكتوره عبدالله الاشعل ، المقتنع بانه يدخل كل بيت ، على نفسه ، ويقول كلاما كثيرا ، حتى انه ينسى ماقاله ، ومن ثم يناقضه ، ولو بعد وقت وجيز ..هكذا كان موقفه فى ازمه غزه هو ان مصر تنتهك القانون الدولى حين ترفض فتح معبر رفح ..وكان موقفه ان مايقوله الرئيس مبارك بهذا الخصوص غير قانونى ..وهكذا كان هو المنصه الاساسيه التى استخدمت فى ترديد مقولات اسطوريه حول موقف البلد من معبر رفح .
ويعود هذا الامر الى مايو الماضى ، اذ فيما يبدو انه كان يتم الاعداد والترتيب من محور سوريا وقطر وايران لماسوف يجرى فى غزه ، والموقف المصرى منها ، وقتها وفى الاردن اجتمع عدد من حلفاء فكر هذا المحور ، واعدو ورقه عنوانها : ( تقدير الموقف المصرى تجاه حصار قطاع غزه وفتح معبر رفح)..وشارك الاشعل فى هذه الورقه التى كان من بين من وضعوها فهمى هويدى وطلعت مسلم ومجموعه من الاساتذه المنتمين للتيار القومى – المتاسلم فى الاردن .
لقد صيغت هذه الورقه لقد تقدم لمصر تجميلا قانونيا وضعه عبدالله الاشعل لكى تجد مبررا لفتح معبر رفح ، استنادا الى تلفيقات من القانون الدولى الانسانى واتفاقيات جنيف ، ووضعت لها المبررات لكى تطيح باتفاق المعابر ، ومنها : ( الاتحمل وحدها بالتبعات والاعباء – اخلاء طرف مصر من تحمل مسئوليه المعاناه الفلسطينيه – تحقيق مكاسب اقتصاديه من الاستيراد والتصدير وبيع الوقود والسلع).
وفيما يبدو فان تلك كانت رساله ذات وجهين لمصر ..فان قبلت بها كان ان تم التغنى بها ..وان لم تقبل تنعكس كل الفوائد الى اضرار..وتحمل مصر مسئوليه المعاناه وتكون على كاهلها كل التبعات ..لكن مصر لديها اعتبارات قانونيه واستراتيجيه اخرى فى التعامل مع مساله المعبر ..ومن ثم كان ان لقيت الحمله التى شارك فيها عبدالله الاشعل بكل قوته خلال ازمه غزه ..وكانت اى محطه عابره واى صحيفه سياره تاتى به لكى يردد ان مصر تخالف القانون الدولى وان موقف الرئيس المعلن ضد القانون .
المشكله هنا فى نقطتين ..
الاولى موضوعيه ، وهى ان نفس الشخص الذى قال هذا الكلام هو نفسه الذى كان يقول نقيضه قبل ذلك باشهر ..فقد اعتبر الاشعل – بعد اقتحام 750 الف غزاوى للحدود المصريه فى يناير 2008- ان هناك مخطط يهدف الى ضم غزه لسيناء ..وان هذا المخطط يعود الى سنوات ..وان اسرائيل والولايات المتحده تريد ان يكون هذا حلا ابديا ونهايئا وبديلا للدوله الفلسطينيه ..وان جزءا من أسباب إصرار مصر على إغلاق معبر رفح، يرجع لهذه المخاوف، خصوصا أنها تلقت عبر الطرق الدبلوماسية توجها اسرائيليا صريحا للتخلي عن مسؤليتها عن القطاع لمصر وتصدير مشاكله إليها، لكن القيادة المصرية واعية تماما بذلك المخطط وترفضه تماما ولن تسمح بتمريره)..هكذا بالحرف من حوار له على موقع العربيه .نت ..وتكرر فى وسائل اخرى .
وقد اضاف : هنالك مساع محمومة تجري حاليا لتصفية القضية الفلسطينية، سواء عن طريق التوطين أو عن طريق إسقاط حق العودة والقضاء على مقاومة الاحتلال، وأبرز الحلول المطروحة حاليا ضم غزة إلى مصر، لكنها لن تقبله بأي حال ومهما كانت المغريات، فهي لن تساعد في هذه التصفية، ولن تضع نفسها في مواجهة مع الفلسطينيين الذين سيحملونها مسؤولية ذلك لو حدث، فيتحولون إلى محاربتها ومحاربة الأردن أيضا إذا تم تطبيق المخطط نفسه على الضفة الغربية، وهذا معناه أن اسرائيل تريد تصدير المشكلة إليهما".واستطرد بأن الرئيس حسني مبارك رد على هذا المخطط في خطابه الذي تناول أزمة الاعتداء الاسرائيلي على غزة قبل عدة أيام.
اما وان الرجل يقول الشىء ونقيضه ، وهو مستعد لان يدافع عن المتعاكسات فى اوقات متقاربه ، فان مصداقيته تكون محل شك كبير ..لكن هذا الشك يزيد حين ننتقل الى النقطه الثانيه وهى هنا شخصيه ..وتتعلق بالسيره الوظيفيه للدكتور عبدالله الاشعل التى لااعتقد انها يمكن ان تتطابق مع مايصف به نفسه فى خطاب استقالته ..وهى سيره مدونه ..واتحدى ان يناقضها الدكتور الاشعل ..واتحداه ان يذهب الى المحكم هلكى يقول بعكس مااقول .
ان عبدالله الاشعل عمل مع عديد من الدبلوماسيين ، لكنه لم يكن دبلوماسيا مرموقا ، ولم يصل ابدا الى درجه مساعد وزير التى يتحدث بها عن نفسه ، وقد قال عنه دبلوماسيون كثيرون انه مهذب ، ولكن هناك ايضا من قال (انه يحتاج الى اشراف) ، (يغلب عليه الطابع الاكاديمى) ، (منشغل باموره ومصالحه الشخصيه خصوصا تاليف وطبع وتوزيع الكتب ، لايؤدى العمل المكلف به بتدقيق كاف)، ( لايركز جهده كله فى العمل حيث تزحف اهتمامته الخاصه على العمل الدبلوماسى).
لقد انشغل الاشعل بطموحه العلمى ، ويبدو انه ضل الطريق الى العمل الدبلوماسى ، ففى كثير من الاحيان كانت الخارجيه تسائله عما اذا كان يرتبط بعقود خارجها ..وكان يقول انه يعطى محاضرات على سبيل المعاونه وانه لم يستاذن فيها ..وفى وقت سابق بسنوات على تاريخ استقالته رؤى انه لايجب الموافقه على ترشيحه رئيسا لبعثه خارجيه لمصر ، وان السبب هو انه يضع نفسه فى مواقف تثير الشبهات.
وتبدل الموقف قليلا بعد عام تقريبا من هذا ، وقيل فى عام 1994 انه لامانع من ترشيحه لرئاسه بعثه ، نتيجه لتحسن طرا على الاداء ، واصبح سفيرا لمصر فى بوروندى ..حيث تكررت اجازاته خلال فتره عمله الاولى (باتباعه اساليب التدليس على الوزاره )..فنقل الى الديوان العام ..وفى عام 1996 تم التحقيق معه من قبل الاداره القضائيه فى الوزاره ..ووقع عليه جزاء التنبيه وفى 1998 نقل الى القاهره مع توصيه بالا ينقل الى الخارج فى اى حركه قادمه ..وقد نسبت اليه تجاوزات ماليه واداريه ..والمثير انه كان ان منح فرصه بان عين نائب مساعد للشئون القانونيه ولكنه لم يلتزم وظل يدلى باحاديث لوسائل الاعلام تناقض الخط السياسى للدوله .
ان اخطر مافى سيره الدكتور عبدالله الاشعل هو ماحدث فى بوجمبورا – عاصمه بورندى – حيث جرت تحقيقات من وزاره الخارجيه اثبتت انه بمشاركه الملحق الادارى قام بتحويل اعتمادات السفاره بمبالغ كبيره لحساب شخص اسمه محمد البيتى بدون مبرر واضح وقد تبين ان هذا الشخص هو تاجر عمله حيث يقوم السفير الاشعل بتغيير اعتمادات السفاره بسعر السوق السوداء عن طريقه ثم يقوم السفير باستخدام العمله المحليه بالسعر الرسمى ..بل وثبت انه كان يتلاعب بحسابات السفاره ..ومن امثله ذلك فاتوره لضبط موتور سياره مرسيدس بقيمه 150 الف فرنك بورندى تبين انها عرض اسعار .
اما وان هذه هى سيره عبدالله الاشعل ..كيف يمكن اذن ان نثق فى احكامه ..وكيف يمكن اعتباره خبيرا له راى يمكن الوثوق فيه .
# الرابع –الهجام
ينتمى عبدالبارى عطوان الى مدرسه فى التحليل السياسى تقوم على ان مصر تقف خلف كل كوارث العالم ..مصر هى التى عطلت وصول البشريه الى حقيقه الحياه فوق المريخ ..ولولا الرئيس مبارك لكانت الخلافه الاسلاميه قد استمرت قائمه حتى اليوم ولو كانت قد تلاشت قبل مولده بقرون ..ومن المؤكد ان موت تشى جيفارا كان بسبب تواطوء مصرى ..ولو كانت القاهره تلعب دورها كما ينبغى ماتمكنت الولايات المتحده من القاء قنبلتها النوويه على هيروشيما ونجازاكى ..وقد ادى مخطط التوريث الى الصمت المصرى على الاسباب التى تفجرت بسببها الحرب العالميه الاولى !!!!.
المساله واضحه جدا ، ولايمكن مناقشتها ، مصر هى السبب ، ومما جعلها هى الدوله العميله – وفقا لرؤيه عبدالبارى وطابوره – انها وقعت على اتفاق سلام مع اسرائيل ..وانها دوله فاسده ..خائنه..ضد العروبه ..لاتفوت فرصه لكى تقف فى موقع المتواطىء مع من يطعن فى ظهر الدول العربيه ..والدليل هو ان ايسلندا قد اوشكت على الافلاس ..ولو كان عبدالناصر على قيد الحياه لاستطاع انهاء النزاع الطائفى فى نيجيريا ..ولو كان مبارك يقوم بدوره ولم يؤدى الى تراجع دور مصر ماكانت روسيا قد ضغطت بالغاز على اوربا واوكرانيا!!!! .
هذه هى المواقف فعليا ..ولو كانت صياغتنا لها ساخره ..السياق لدى عطوان هو ان مصر ام الشرور ..ولو راجعت مواقف من يقفون فى طابوره لن تجدهم يختلفون كثيرا .
فى حوار سابق مع قناه النيل للاخبار ، وصفت عبدالبارى عطوان بانه (مقطوع)، استنادا الى اننى وجدته مقيما فى استديو قناه الجزيره منذ العاشره صباحا الى السادسه مساءا يوم انعقاد اجتماع غزه فى الدوحه، لم يقل كلمتين الا حين انتهت اعمال المؤتمرين وصدر بيانهم ..كما لو انه ضائع بلا عمل ..ينتظر ان تتعطف عليه الكاميرا بلقطه ..وقد خجل المذيعون الذين تبدلوا عده مرات عليه له ..ولكنه لم يخجل .!!!
عبدالبارى عطوان ، ليس فقط مقطوعا لمصر ولكل من يكيد لها ، بل انه هجام ، اجير ، تتحول اتجاهاته حسب الدوله الراعيه ، ففى وقت سابق كان بوق تنظيم القاعده ، ولم يتوقف عن امتداح اسامه بن لادن بطل الامه – على حد وصفه – الا حين تم القضاء على افغانستان ..ووقتها ايضا اتهم مصر بالتواطوء والعماله ..وبعده كان بوقا لصدام حسين ..ولم يتوقف عن الكلام وعن وصفه بانه عنوان الكرامه العربيه الهديره الا حين سقط نظام صدام حسين نفسه ..وتواصلت التفاعلات الى ان تم اعدامه ..وابان غزو العراق اتهم ايضا عبدالبارى عطوان مصر بانها عميله ومتواطئه وخائنه ..وفى حرب 2006اعتبر عبدالبارى عطوان زعيم العصابه حسن نصر الله بطلا اخر للامه ..ولم يتوقف الا حين قضت الحرب على لبنان ..وقد كانت مصر فى تحليلاته وشردحاته التلفزيونيه عميله وماجوره وتابعه ولولا ضعفها لكانت الامور قد تغيرت .
وفى ازمه غزه لم يكن من المتوقع ان تتغير الامور كثيرا ..فمصر هى ام الشرور ..ولولها لكانت الامه العربيه قد تمكنت من اعاده فتح القطب المتجمد الشمالى الذى تتصارع القوى الكبرى على منابع البترول فيه ..فالتوطوء المصرى والعلاقات التى بين القاهره وتل ابيب هى التى تعوق جزر القمر عن ان تذهب الى هناك لكى تبدأ فى حصد الثروه العربيه المستحقه فى بترول القطب الشمالى !!!!
فى هذا السياق لايمكن تحليل او متابعه مايقول عبدالبارى عطوا ن او الواقفين فى طابوره ..تلفيق وتدليس وشردحه ..واصابه بمرض اسمه فوبيا مصر ..وقبول منه لاى دور يكلفه به اى احد لكى يمارس هذا الاداء المنحط ..وقد كانت هذه المره هى قطر ..واعتقد انه سوف يرمى العطاء فى الايام المقبله على ايران ..وليس شرطا ان يكون الواقفين فى طابوره يؤدون نفس الاداء لدوافعه ..ولكن الاساليب تتشابه .
لقد كانت مهمه عطوان خلال ازمه غزه، كهجام محترف ، وهى صفه لااريد ان اعرفها ، فهى تعرف نفسها ، ان يقوم بكل ماينبغى من عمليات ردح ..وتبسيط للمفاهيم التى وضعها راس الطابور الاول عزمى بشاره ..بلغه سوقيه مبتزله ..مع مزيد من الحماسه الماجوره ..والهتاف الديماجوجى ..والصراخ الاعمى ..وترديد كل ماتقوله سوريا وقطر وايران وحماس باسلوب الملايه اللف ..الذى تخجل منه القيام به اى (شبيحه) من حوارى العشوائيات .
ولااعتقد ان علينا ان نتوقف امام انتاجه خلال الاربعين يوما ..فقصته واضحه ..وادائه معروف ..والمساله لاتحتاج الى مزيد ..وهو بشكل عام يفتقد الى المصداقيه ويتم التعامل معه باعتباره اراجوز يحركه لاعب من خلف الكشك المتجول ..ايا ماكان من يستاجر الكشك ..وايا
ماكانت القريه التى سوف يقف فيها كشك الاراجوز.
# #
هؤلاء جميعا ، ايا ماكانت مكانتهم فى التيار الذى يمثلونه ولدى الجهه التى ترعاه ، هم تيار واحد ..وقد توحى كثرتهم اننا نواجه قطاعا عاما من النخبه العربيه ..هذا افتراض غير صحيح ..ففى النخبه العربيه عشرات ممن كتبوا معضدين لموقف مصر ..او وقوفا ضد من شنوا الهجوم عليها ..وقد تناثروا فى جرائد وصحف متنوعه ..وظلوا يكتبون من اليوم الاول للازمه مع رؤيه مصر وكشفا للمؤامره ضدها ..لكن اعلام مصر – للاسف – لم يستطع ان يبللور هذا ويسلط الاضواء عليه.
وهنا ، للتوثيق، بعضا من الامثله ..نذكرها على سبيل التحيه والتقدير ..ولكى يبين للقارىء اننا لم نكن وحدنا :
1-مشارى الزايدى –جريده الشرق الاوسط –موسم الهجوم على مصر
2- احمد الجار الله – جريده السياسه الكويتيه – ماذا سيقول بغال حماس للشعب الفلسطينى .
3- قؤاد الهاشم جريده الوطن الكويتيه – سماحه السيد حسن زرقاء اليمامه.
4- نبيل الفضل – جريده الوطن الكويتيه – حذار ياحماس .
5- داوود الشريان – جريده الحياه – الله غالب يامصر .
6- داوود الشريان – جريده الحياه – الاعلام المصرى فى الحرب .
7- نزار العبادى – جريده الجمهوريه اليمنيه – رويدا ايها الغاضبون من مصر .
8- تركى السديرى – جريده الرياض اليمنيه – لماذا المملكه ومصر فى غوغاء اللامعقول .
9-حسان حيدر- جريده الحياه – تصفيه حسابات متاخره .
10-عبدالله الهدلق- جريده الوطن الكويتيه – اتنسى لطول العهد ام انت ذاكر
11-هدى الحسينى – جريده الشرق الاوسط – ايران تستغل الفضائع فى غزه للنيل من مصر .
12- جهاد الخازن – جريده الحياه – كان واجب القياد هان تحفظ حياتهم.
13-احمد الجار الله – جريده السياسه الكويتيه – اكاذيب زعيم النصر الالهى .
14-عبدالمحسن الحسينى – جريده الوطن الكويتيه – لاغنى للعرب عن مصر .
15- عادل نايف المزعل – جريده الوطن الكويتيه – مصر انقى من ان ينال منها جاحد.
16-ياسر عبدالعزيز – جريده الجريده الكويتيه – الحمله على مصر .
17- هانى نسيره – جريده الحياه – نعم ..دفاعا عن مصر .
18- احمد الجار الله – جريده السياسه – قاده الجحود اضلوا ابرياء غزه .
19- محمد العيدروس – جريده السياسه – لالتحرير القدس نعم لتحرير معبر رفح .
20- عبدالحميد الانصارى – جريده الجريده – لماذا هجوم حسن نصر الله على مصر .
21- بدر خالد البحر – جريده القبس الكويتيه – يخرب بيت السياسه.
22- احمد الجار الله – جريده السياسه – ماذا قدم اشاوس حماس لشعب فلسطين .
23- حازم صاغيه – جريده الحياه – مصر ودوره الانتحار.
24-وفيق السامرائى – جريده الشرق الاوسط – جيش مصر كما عرف.
25- خالد ابو ظهر – مجله الوطن العربى – بانتظار صواريخ ايران .
26- سعود السمكه – جريده القبس – حماس واكذوبه المعبر .
27- خيرالله خيرالله – جريده الراى الكويتيه – من اجل مواجهه العدوان على غزه.
28- عبدالرحمن الراشد- جريده الشرق الاوسط- هل اخطا المصريون حيال غزه.
29-عبدالرحمن الراشد – جريده الشرق الاوسط – هل صارت مصر الجدار القصير .
30-احمد الجار الله – جريده السياسه – اعذرهم ياسياده الرئيس فالجهل اعماهم .
31- ناصر العتيبى – جريده السياسه – الا مصر .
32- يحى الامير – جريده الوطن السعوديه – من الذى خذل غزه.
33- خالد ابو ظهر – مجله الوطن العربى – مصر تواجه التحديات .
34- مامون فندى – جريده الشرق الاوسط – البنادق والفنادق والخنادق .
35- حسان حيدر – جريده الحياه – حروب حماس اكبر منها .
36-طارق الحميد- جريده الشرق الاوسط – هى الحرب على مصر .
37-طارق الحميد – جريده الشرق الاوسط – ايه الله مهدى عاكف .
38- درويش محمى – سورى – جريده السياسه الكويتيه – لاتظلموا الوزير ابو الغيط .
39- صالح القلاب- جريده الجريده – قمه سعيد جليلى .
40- داوود البصرى – جريده السياسه – احمدى نجاد بطل العروبه الجديد..عجبى.
41- عبدالرحمن الراشد – جريده الشرق الاوسط – حماس اما العرب او ايران.
42-احمد الجار الله – جريده السياسه-قمه الكويت هل توقظ اهل الكهف؟
43-احمد الدعيج-جريده الوطن – عندما غضب الرئيس مبارك.
44-سامى الزبيدى- صحسفه الراى الاردنيه-شكرا للقاهره وشكرا للرياض.
45-عبدالحميد الانصارى – قطرى – صحيفه الاتحاد الامارتيه – الايدولوجيين ومقاييس الهزيمه .
46-احمد بشاره – جريده القبس – الى متى هذا الضياع.
47- الاميره مها بنت عبدالله بن جلوى ال سعود – جريده اليوم السعوديه – لك الله يامصر .
48- طارق الحميد- جريده الشرق الاوسط- دماء غزه مشروع تجارى.
49-ناصر العتيبى – جريده السياسه – مواقف صباح ومبارك وعبدالله.
50-احمد الجار الله – جريده السياسه – حاكموا مجرمى اسرائيل وحماس ايضا.
03 نوفمبر, 2008
ازمه الزواج!
المقال منشور فى روزاليوسف اليومية بتاريخ 28 اكتوبر 2008
---------------------------------------------------
بالامس ، وبعد كتابه هذا المقال ، عقد الحزب الوطنى لقاءا مفتوحا حول واحده من اهم مشكلات المجتمع..وهى الادمان ..وسوف اتناول خلاصه المناقشات غدا ..غير انى اريد ان اتوقف اليوم ايضا امام واحده من اهم المشكلات الاجتماعيه التى تستوجب بدورها مناقشه مفتوحه ..على المستوى العام والحزبى ..وعبر ايا من مراكز التفكير ..وهى ازمه الزواج.
فى راى الخاص تلك الازمه هى واحده من اهم الملفات التى تتعلق بها مجموعه كبيره من المشكلات الناتجه واللاحقه ..وهى بدورها ازمه ناتجه عن مجموعه من المشكلات المسببه والمؤديه اليها.
فى مجتمع ، محافظ ، واخلاقى ، ومتدين ، ولايميل الى الانفتاح العلنى فى العلاقات الجنسيه بين الرجل والمراه ، تمثل صعوبه الزواج معضله لايختلف عليها احد .. ومن المزعج فى مجتمع يقوم على الاسره ..وينص دستوره المكتوب على ذلك ..وتقضى قيمه بهذا ..ان يتاخر سن الزواج الى مابعد الثلاثين ..وربما ماقبل الاربعين ..ويتساوى فى ذلك فى المعاناه الذكر والانثى .
شباب مثل الورد ، لاتنقص مقوماته الشخصيه والنفسيه اي شىء، تجده مازال يعيش فى بيت عائلته ، غير قادر على ان يجد سبيله الى الاستقلال ، وبناء اسرته، وتطبيق التحقق الاجتماعى والجنسى ، حتى لو كان يعمل ولايعانى من البطاله ..ومن ثم فان الاباء يعيشون قلقا وضغوطا رهيبين ..ليس فقط لانهم لايرون عائلاتهم تواصل امتدادها عبر ابنائهم – وتلك هى الفطره – ولكن ايضا لانهم يجدون انفسهم فى مواجهه مشكلات متجسده ويوميه امامهم ..وتعقيدات تعبر عن نفسها فى ابعاد متنوعه .
ومن المؤكد ان للمشكله ابعاد اقتصاديه متنوعه ، تشمل ازمه السكن وازمه البطاله ، ولكنها كذلك تنتج عن عقليه اجتماعيه تقليديه تصر على ان تلزم نفسها بعشرات من القيود التى تجعل من الزواج عمليه عسيره ..ان لم تكن مستحيله ..وليس من الممكن ان يتزوج الملايين من الناس من خلال حفلات العرس الجماعى التى تنظمها الجمعيات والمحافظات وبعض السياسيين.
الزواج كمشكله فى حد ذاته قد يكون احد اسباب انتشار الادمان ، وقد تكون ازمته هى احد اسباب حواد العنف المتنوعه ذات البعد الجنسى ..بدءا من التحرش وصولا الى الاغتصاب ..وبينهما عشرات من انواع الجرائم التى ترتكب بسبب الخيانات والعلاقات غير المشروعه بكل انواعها ..وماحولها من امراض اجتماعيه .
ولابد الا نغفل ان للمشكله مبررات عديده على المستوى العام ، كما انها تصبح مزدوجه لدى قطاعات الاقباط الارثوذكس ، حيث تسبب قوانين الزواج وفق القواعد التى تشترطها الكنيسه والتى تجعل الطلاق يبدو مستحيلا ، اضافه ابعاد اخرى لازمه الزواج لدى المسيحين اذ يخشى الرجال ان تقع مشكلات تعطل حياتهم طيله العمر فيترددون لزمن طويل فى اختيار شريكه الحياه.
يحتاج هذا الموضوع الى نظره شامله ، اقتصاديه وثقافيه واجتماعيه ودينيه ، واذا كان على اجهزه الاعلام ان تقوم بدور تنويرى فى تغيير اتجاهات الناس وتبديل التقاليد التى ترسخت فى ذهنيه المجتمع ..بحيث تنقضى اسطوره ان كل عروس فى الريف يجب ان تهدى فى خطبتها ربع كيلو ذهب ..او ماشابه ..فان المؤسسه الدينيه فى حاجه الى ان تبذل جهدا اكبر فى اقناع الناس يالتيسيير ..ولابد ان يتخطى رجال الدين نصح الشباب بان يصوموا حتى يتزوجوا .
ومن المؤكد ان على الدوله دور محدد ، الصحيح بالطبع انها تحاول ان تحل مشكله السكن ، وانها توفر فرص العمل وتحاول حل مشكله البطاله ، لكن مساله الزواج تحتاج الى جهد خلاق اجتماعى وتمويلى يؤدى منها الى تقديم واجب اضافى يساعد الشباب على ان يتزوجوا .
التكاليف التى يمكن ان تدفع من اى بند لصالح تيسيير الزواج ، سوف تتوفر عمليا وفعليا ، وتحقق ارباحا ، اذا مانظرنا للزواج على انه استثمار اجتماعى ، يقى البلد من مشكلات عديده تكلفنا اموالا طائله دون ان ندرى او نلمس ..لكنها تنفق فعليا .
02 نوفمبر, 2008
احمد عز

ومناسبه هذا امران . الاول انخفاض سعر الحديد ..والثانى اقتراب موعد المؤتمر السنوى للحزب الوطنى .
اذا مابدأنا بالثانى ، تلفت النظر مجموعه من التقارير المتناثره فى بضعه صحف حول تغييرات سوف تحدث فى المؤتمر المقبل للحزب صاحب الاغلبيه ..وتركز هذه التقارير على وضعيه امين التنظيم ..وتقول معلومات ليس لدى اى دليل على صدقيتها ..وان كان لى ان اشير هنا الى مااعرفه ..وهو ان المؤتمر سوف يكون مناسبه لتقدير الجهد التنظيمى الذى قام به الحزب على مدى السنوات الماضيه ..باعتبار ذلك عملا ناجحا ودقيقا احدث نقله نوعيه فى الاداء ..وبشكل عصرى ..يراه متجسدا وواقعا الخصوم السياسيين للحزب قبل مؤيديه.

ومن المؤكد ان العمل الذى قام به عز ، ويقوم به ، هو خلاصه توافق مؤسسى ، وتنفيذ لتوجيه قيادى ..قرر ان يطور قنوات التواصل بين كافه وحدات الحزب ومركزه ..بالطول والعرض..افقيا وراسيا ..لكن المؤكد كذلك ا نامين التنظيم بذل جهدا خارقا لتطبيق هذا التوجه الحيوى ..الذى حقق نقله ضروريه لحزب كبير ..بل واكبر الاحزاب على مستوى العالم العربى .
مايميز هذا الجهد ، بكل دقه فى التوصيف ، انه علمى ، ومنظم ، وتحكمه رؤيه سياسيه ، وله اهداف واضحه ، ومراحل تحكم ادائه ، ومواظبه ودأب ..ومن اجل توفير اعرض فرصه ممكنه لتبادل المعلومات بين اطراف هذا الكيان الكبير واحكام السيطره على ادائه ..لكى يحقق اهدافه السياسيه .
اذا ماانتقلنا الى الامر الثانى ، وهو سعر الحديد ، باعتبار ان شركات احمد عز ، فى وجهه الاقتصادى ، هى المنتج الاكبر فى السوق ، لابد من الانتباه الى التراجع الرهيب فى الاسعار الذى حدث خلال الايام الاخيره ..بصوره جعلت طن الحديد يصل الى نصف سعره قبل اشهر قليله .
ومن المؤكد ان احمد عز ، او للدقه شركاته ، لم تفعل ذلك رغبه منها فى ان تتفضل على السوق بمنحه ما ، وانما لان اسعار الخامات قد انخفضت دوليا ..وهو مايعيدنا الى السبب الذى كانت بمقتضاه قد ارتفعت الاسعار من قبل ..اى ثمن الخامات فى الاسواق الدوليه ..والتى كان يتعمد الكثيرون من خصوم عز السياسيين الدخول منها اليه ..لاتهامه بالاحتكار ..وممارسه الضغوط المانعه لحريه المنافسه .
الموقف تغير الان ، بحقائق دامغه ، ولااعتقد ان من شنوا الحملات عليه سوف يتراجعون عما قالوا فى حقه من اتهامات ، الى درجه جعلتهم يتجاهلون ان هناك منتجين غيره فى السوق ..غير انى اعتقد جازما ان موضوع الاتهام بالاحتكار لابد ان ينتهى تعليقه ..فى ضوء القرار الذى يفترض ان يصدر عن جهاز حمايه المنافسه ومنع الاحتكار ..واتمنى ان تكون المعلومه التى تقول ا نايا من مندوبى الجهاز لم يطلبوا شيئا من شركات عز خلال الفتره التى تلت اعلان التحقيق فى ملف احتكار الحديد ..لم يطلبوا معلوم هاو زياره او استقصاءا ..اتمنى ان تكون هذه المعلومه غير صحيحه.

هل هذا يعنى ا نامين تنظيم الحزب الوطنى لن يتعرض مجددا لحملات تشويه متربصه؟ لااظن ..اذ طالما كان يحقق تقدما فى مهمته السياسيه المكلف بها ..سواء على مستوى الحزب او باعتباره قياده برلمانيه ..فانه سوف يظل هدفا على لوحه التنشين ..ومقصدا لكل الرغبين فى توجيه السهام لحزب الاغلبيه .غير ان تلك لحظه مناسب هلكى يقيم الناس مصداقيه تلك الحملات ..وبحيث تنكشف حقيقه اهدافها.
العدد 1000!
المقال منشور فى جريدة روزاليوسف بتاريخ 23 اكتوبر 2008
-------------------------------------------------
لم يحن الوقت بعد لكشف كل التفاصيل غير المعلنه التى ادت الى تحقق الحلم المؤسسى الممتد ..بصدور جريده يوميه لروزاليوسف ..لكن العشرات يذكرون جيدا هذا المشهد فى نهايه يوليو 2005 ، حين بادرت انا وزميلى الاستاذ كرم جبر رئيس مجلس الاداره بان طلبنا فى اول اجتماع للمجلس الاعلى للصحافه بعد تشكيله الجديد تعديل ترخيص روزاليوسف من مجله اسبوعيه الى جريده يوميه.
اثارت هذه الخطوه اندهاش الكثيرين فى الوسط الصحفى ..ومن بعده انتبه الوسط السياسى ..ومن المهم هنا ان اذكر موقفا له دلاله يوضح الاحساس العام الذى لاحق الجريده من قبل بعض الاتجاهات ..خصوصا الصحفيه .
بعد ذلك بوقت قصير ، كنت فى الطريق الى شرم الشيخ ، على متن طائره خاصه ، عليها بعض الصحفييين والفنانين والمثقفين الذين نظمت وزاره الاعلام لهم تلك الرحل هلكى يطالعوا بعض اثام الارهاب فى المدينه عقب انفجار شهير وقع وقتها.
فى مقدمه الطائره جاء مقعدى الى جانب مصطفى بكرى رئيس تحرير الاسبوع ، وكان الى جانبه فى صف اخر عادل حموده الذى ترك روزاليوسف بعد ان وصل الى منصب نائب رئيس تحريرها فى عام 1998..ولم يكن بينى وبين عادل كلام منذ زمن .لكنه غالب نفسه مشتاقا الى معلومه هفت اليها شهوته الصحفيه ..وسالنى : هل ستصدرون جريده يوميه ؟ فاومأت بالايجاب .وكما لو ان اجابتى ادهشته فمضى يستفسر اكثر : يوميه كامله ؟ قلت : 20 صفحه .قال :الن تكون مجرد ملحق يومى بمناسبه الانتخابات الرئاسيه ؟..فقلت : جريده شامله ..وليست ملحق .قال : لكن هذا عبء كبير .قلت : اعرف .قال : الن تتوقف عن الصدور بعد الانتخابات ؟ ..قلت : تصدر بمناسبه زخم الانتخابات لكنها ليست فقط من اجل الانتخابات ..جريده ..وانت تعرف ان الجرائد لاتكون مؤقته.
وفيما يبدو فان عادل حموده الذى كان قد غادر روزاليوسف قبل سبع سنوات من هذا التاريخ ، الى الاهرام ، ككاتب اسبوعى ، كان قد تغافل عن بعض تاريخ المؤسسه التى تربى فيها..ففى عام 1934 حولت فاطمه اليوسف المجله الاسبوعيه التى اصدرتها فى عام 1925 الى جريده يوميه ..وكان رئيس تحريراليوميه هو الاستاذ عباس محمود العقاد ..ولكن هذه الجريده توقفت بعد عام بسبب حصار مالى وسياسى من حزب الوفد ..الذى كانت تناصره روزاليوسف واختلفت معه ..فلم يقبل الاختلاف ..وشن حربا عليها الى ان اغلقت الصحيفه ..وعادت المجله الى اسبوعيتها.
ظل الحلم يلاحق اجيال روزاليوسف عقودا، واظن انه قد اعيدت دراسته فى وقت ما فى الستينات ، الى درجه دعت احد ابناء المؤسسه لاعداد تحليل مضمون دقيق ووافى فى كشكول اخضر للجريده التى صدرت عام 1934 ..تمهيدا لاعاده الصدور ..كشكول سوف ننشره قريبا كوثيقه صحفيه وتاريخيه مدهشه ..ولكن دفعه تحقيق الحلم لم تكن بالقدر الواجب .
حين جاء الاستاذ محمد عبدالمنعم رئيسا لتحرير المجله ، ورئيسا لمجلس ادارتها ، وعيننى مساعدا فنائبا لرئيس التحرير ، كان ان لاحقته بضعه مرات بفكره اعاده اصدار اليومى ..منتهزا كونه رجل عاش وتربى فى صحافه (اليومى)..واظنه يحتفظ الى الان باوراق صفراء كنت افضل ان اكتب عليها ..دونت عليها اكثر من مره ملاحظاتى بشأن هذا المشروع ..غير انه كان يرى ان الامكانيات لن تساعد على نجاح العمل .
كنت قد ذقت معنى الانخراط فى العمل اليومى فى غضون ذلك ، حين اصبحت مديرا لمكتب جريده الراى العام الكويتيه فى القاهره ، وقبلها من خلال العمل كمحرر اخبار فى مكتبى جريدتى الحياه ثم الشرق الاوسط ، وزادنى شغف (الراى العام) بحجم هائل من الماده المصريه يوميا ، الى الدرجه التى كانت تدعونى لارسال مالايقل عن 40 ماده صحفيه قبل عصر كل يوم الى المركز الرئيسى ..بعد عام 2000، زادنى هذا توهجا وتعلقا بالايقاع اليومى ..فى نفس الوقت الذى كنت فيه قد عشت اغلب خبرتى فى الصحافه الاسبوعيه.
فى يوم 14 اغسطس 2005، وبدون عدد تجريبى واحد ، صدرت روزا اليوميه ..بعد توقف جاوز السبعين عاما..وفى ليله الصدور كنت مع زميلى كرم جبر فى برنامج البيت بيتك نرد على سؤال لتامر امين يردد فيه مابدأت بعض الاصوات الصحفيه تتمناه : متى تتوقفون عن الصدور ؟ ..وقد اجبناه بحسم : لاتوجد جريده تصدر وقد حددت موعدا لتوقفها ..هذه جريده صدرت لتبقى .
وزير اعلام الظل !
---------------------------------------------------
قراءه التحركات المتنوعه التى يقوم بها الملياردير صلاح دياب على المستوى الاعلامى ..تستوجب طرح تساؤلات مختلفه ..حول طبيعه الدور الذى يقوم به هذا الرجل ..وماهى اهدافه القريبه والبعيده ..والى ماذا يرمى ..هو وحلفاؤه وشركاؤه ..ومن قد يساندوه على المستوى المالى والصحفى والتلفزيونى .
لقد كانت كل علاقه صلاح دياب بالصحافه لاتزيد عن كونه ابن لعائله ينتمى لها الاستاذ الراحل توفيق دياب ،وانه كان يستضيف عددا من الصحفيين والمثقفين كل يوم جمعه او فى ايام رمضان على مائدته وفى فيلته فى منيل شيحه ، وكونه صهرا للكاتب صلاح منتصر .
وكانت كل الخصائص التى يتمتع بها صلاح دياب فى الحياه العامه هى انه مطبع محترف مع الاسرائيلين ، حصد بعضا كبيرا من ثروته من خلال التعامل معهم فى المجالات الزراعيه وفق ماهو معلن ، ورجل يعمل ايضا فى مجال خدمات البترول ، ولديه انشطه فى تجاره الحلويات ، ويقضى بعض وقته فى ممارسه النشاط السياسى المتقطع من داخل حزب الوفد.
فى السنوات الثلاث الاخيره ، نما صلاح دياب بطريقه مختلفه ، ولم يعد مجرد ناشر لجريده يوميه خاصه غير معلنه الميزانيه ، اسمها المصرى اليوم ، وانما اصبح يتخطى حدود هذه الصفه ..الى الدرجه التى تدعو للتساؤل عما اذا كان مجرد رجل اعمال انشا كيانا اعلاميا يعبر به عن مصالحه الخاصه او يساندها به .. الى ماهو ابعد ولايبدو لى واضح المعالم ..وان كان يثير تساؤلات جوهريه.
ان السوق لم يعد يسمع عن تحركات صلاح دياب فى مجالات الزراعه والبترول والحلويات وغير ذلك من انشطه اقتصاديه بقدر مايسمع عن انشطته فى استقطاب الصحفيين والكتاب وتوجيه الاقلام وخوض الحوارات التلفزيونيه التى يعلن فيها اراءا ومواقف تخص صناعه الاعلام ..وبما فى ذلك التدخل المباشر فى ترتيب امور تخص حملات بعينها ..وصولا الى شراء مطابع والحديث عن انشاء شركات توزيع وبناء تحالفات مع محطات تلفزيون..وغير ذلك .
ان من حق اى احد ان يتجه الى صناعه الاعلام ، فى ضوء مناخ الحريه الاعلاميه المنفتح تماما وتقريبا بلا قيد او شرط ..لكن الاعلام صناعه ليس هدفها كسب المال ..فقط ..ولكنه يؤثر فى اتجاهات الراى العام ..ويحدد اجنده القضايا التى تحركه ..ومن ثم فلابد ان نطرح تساؤلات حول مايريد صلاح دياب ومن معه ومن يستوظفه ..وماهو هدفهم الذى لم يعلنوه بعد.
انت تسمع فى الاوساط الصحفيه والاعلاميه عن خطط يتكلم عنها من يعملون فى المصرى اليوم بخصوص الرغبه فى القضاء على الصحافه القوميه .. وتجد حمله مستمره فى هذا الاتجاه..وترى عمليات اغواء ماليه مستمره لكوادر الصحف القوميه ..تنجح حينا وتتاجل حينا ..ورواتب تدفع بالالوف ..وارقام غير مسبوقه ..تشترى جهد المؤسسات القوميه فى بناء وتدريب الكوادر واكسابها الخبرات لسنوات طويله ..وتعجب هل الهدف فقط هو انجاح صحيفه ..وترسيخها ام ان المشروع ابعد من ذلك.
يمكن ان تفهم ان هناك من يريد ان يؤسس عملا ناجحا ومؤثرا ، لكن الذى لايمكن ان تفهمه هو ان تكون هناك خطه قائمه على اضعاف الاخرين ان لم يكن القصد هو اسقاطهم ..وبغض النظر عن ان تلك مساله تخضع عمليا وقانونيا لقوانين حمايه المنافسه ومنع الاحتكار ..فى كافه جوانبها ..فضلا عن انها تخضع وجوبا لمعايير المكاشفه والمحاسبه والاعلان عن مصادر الاموال وميزانياتها الواضحه ..فان من الواجب تفعيل قوانين متابعه شئون الصحافه والاعلام لفرض القانون على اهداف غير معلنه ..وخفيه.
ان صلاح دياب ، الذى يشعر بنشوه عارمه منذ يومين او ثلاثه لسبب اعرفه انا وهو ، ليس عليه ان يظن ان المساله شخصيه ا وفى اطار تنافس بين مطبوعات ..الموضوع اكبر من ذلك وابعد كثيرا ..ومااعتقده انه يسعى شخصيا لان يجعل من نفسه وزير اعلام الظل ..الذى يحرك الاقلام ..ويوجه الكتاب ..ويؤسس لان يكون هو صاحب اجنده المجتمع الاعلاميه ..فى وقت انتهت فيه الدوله اصلا من تحريك الاقلام وتوجيه الكتاب .

